حسناً.. لنهدأ قليلاً ونأخذ نفساً عميقاً، وننظر إلى الأمر من زاوية أشد عمقاً، فقد وقعت الواقعة، وصدر القانون الجديد للمحاماة، الذي أكد استمرار الحق لرجال الدين بمزاولة مهنة المحاماة، لكنه منعها وحجبها عن أساتذة كلية الحقوق والقانون، فهل يعقل ذلك؟! صدق أو لا تصدق! مهما يكن الأمر سيئاً، فإن هذا القانون وما صاحبه من ردود أفعال أعاد إلى الأذهان قانوني حقوق المرأة السياسية وإعدام المسيء (السيئ الذكر)، لأنهما يتعارضان مع مبادئ وقيم الدولة المدنية والدستورية، كما القانون الجديد لجموع المحامين.

ليس دفاعاً عن أحد، لكن الأمر الذي يدعو الى الدهشة والاستغراب أن البعض قد صب جام غضبه على مجلس «بوصوت»، كما يطلقون عليه تندراً، وكأن هذا المجلس هو الوحيد الأوحد الذي انتهج ورسخ سياسة الانحرافات التشريعية والمخالفات الدستورية.

التاريخ لم يبدأ الآن، لذا نتساءل: هل نسيتم قانون إعدام المسيء، الذي أقره «المجلس المبطل الأول»، والذي لولا حكمة صاحب السمو أمير البلاد لدخلت الكويت رسمياً عصر التخلف والظلام، ولن نغوص في بحر المقارنات والمتناقضات، لكن أين الخلل؟

المشكلة تكمن في ثقافتنا وبيئتنا ومفاهيمنا، اختلفت المجالس، لكن الجهل واحد، هل العيب في الديموقراطية أم في الشعب الذي يمارسها عبر صناديق الاقتراع؟ أعتقد المشكلة في الناس، والناس هم العذاب، كما قال ذات مرة مولانا جان بول سارتر، هذه هي النتائج والإفرازات، فمجالس «الرموز والضمائر» ليست أحسن حالاً من المجلس الحالي، إلا أن ما يميز مجلس «الصوت الواحد» أنه قد فعل ما قد عجزت عنه كل المجالس السابقة -وفي موقف تاريخي عظيم- فقد فتح الباب للطعن أمام المحكمة الدستورية وكبح جماح القوانين المتطرفة، التي تمس حريات المواطنين أو تهدد مصالحهم أو تصادر حقوقهم.

قصارى القول ان أي انحراف تشريعي تقابله رقابة للرأي العام، وأجزم أن قانون المحاماة في طريقه إلى المحكمة الدستورية، فعلاوة على أنه يفتقد قواعد العدالة والمساواة، فإن الشريعة والقانون ضدان لا يجتمعان، وإذا اجتمعا لا يتمازجان، الشريعة من روح الله، والقانون من صنع البشر، وهما يختلفان في الوسيلة والطبيعة والغرض والدراسة والعمل، الشريعة تزن بالقسطاس، والقانون توازن ومنطق.

لا أريد أن أختم قبل أن أسجل خوفي وتحذيري من مغبة الاستمرار في هذا القانون، وخطره على النظام القضائي أولاً، والمجتمع ثانياً، فالثابت أن رجال الدين يحرمون القوانين الوضعية، فكيف لهم العمل بها وتطبيق نصوصها؟!

نحن أمام حالة تستعصي على الفهم والإدراك، ولعل من أفدح الأمور هولاً أن ينساق وينقاد المشرع خلف مصالحه الانتخابية الضيقة، وبالتالي يجر المجتمع إلى الخلف بإصرار واطراد.

بسام العسعوسي

@Bassam_Alasousi

info@bassamandbassam.com

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات