في خضم الحسابات الانتخابية، وتشابك المصالح، وتضارب الرؤى، تتعدد الرهانات، وتتمايز المواقف، فينقسم الفرقاء بين ناظر إلى مصلحة انتخابية ضيقة، وآخر راغب في مستقبل زاهر لوطنه.

القبس كانت ولا تزال تفتح صدر صفحاتها لمطالبات الإصلاح الاقتصادي، هذا الإصلاح الذي سيكون حتماً مؤلماً، بيد أنه حلٌّ لا بد منه.. فدفعت القبس ثمناً شعبياً باهظاً في مناسبات عديدة، إيماناً منها بأن نعمة الكويت تستحق تضحيات كبيرة، لضبط الهدر الحكومي غير المدروس، والموازنات العشوائية، والمطالبات البرلمانية الشعبوية القصيرة المدى.. فثروة النفط ناضبة شئنا أم أبينا، والكويت باقية بإذن الله.

الحكومة نجحت أمس في اختبار سياسي مهم، يحمل تهديدات اقتصادية في بعض محاوره، فتقدمت بهذا الاستجواب خطوة أخرى نحو رحلة الإصلاح الاقتصادي الطويلة.. هذا الإصلاح الذي يبدو مؤلماً بالنظر إلى التخلي عن «مكتسبات» واستسهال التمتع بخدمات مجانية، لكنه في المدى البعيد يرفع كفاءة الموارد، وسينعكس ذلك ملاءة مالية متينة وقدرة ائتمانية عالية قادرتين على التحرر من ثقل الديون واحتواء التضخم والحفاظ على تصنيف دولي عالٍ ومريح «شعبياً» بعد حين.

نكررها.. رحلة الإصلاح الاقتصادي ستكون مؤلمة، وطويلة، وسيكون طريقها مكتظاً بالمزايدين والمتكسِّبين وربما المبتزين، في ظل تخبُّط حكومي وبرلماني لا معقول خلال العقود الماضية، لكن صوت الإصلاح يعلو دائماً ولا يُعلَى عليه.. وستظهر آثاره في بلادنا على المديَين المتوسط والبعيد.

وإذا كانت لغة الأرقام تشير إلى ارتفاع صافٍ لموجودات الدولة ونموٍ كبير في صندوق احتياطي الأجيال، فإنها في المقابل تعكس تراجعاً مستمراً في أموال صندوق الاحتياطي العام، ما سيؤدي به إلى «نفاد محتوم» ما لم تُتخذ إصلاحات حقيقية ترفد ميزانية الدولة بدلاً من الاعتماد على صندوق الاحتياطي في سد العجز.

وإذ ودَّعنا بالأمس دور الانعقاد قبل الأخير باستجواب شعبوي بامتياز، فإننا نشد على أيادي الرموز الوطنية للمضي قدماً نحو الإصلاح الاقتصادي في دور الانعقاد المقبل، وعدم الالتفات إلى الأجندات السياسية التي لا يتعدى مداها حدود أنوفنا.

كما أننا نشد على أيدي الحكومة، التي واجهت «الابتزاز الانتخابي» بشجاعة -وعلى غير عادتها- وصمدت أمام سيل من الوعيد والتهديد، فإنها مطالبة الآن بالاستمرار، خصوصاً في القضايا الاقتصادية، وعدم الرضوخ أو الاستسلام في مواجهة الملفات التي تمسُّ الوضع المالي للدولة وترهق الميزانية بأعباء لا قدرة عليها.

إنها ساعة الحقيقة.. دقّت على الجميع بالصوت نفسه وبالتأثير ذاته وعلى الجميع استيعابهما، فإما نجاري الزمن وتطوّراته السريعة، وإما نبقى رهن ماضٍ لم يعد يجدي التحسُّر عليه أو يسرّ شجرة الأمل التي علينا جميعاً إرواؤها بكلّ ما نستطيع، لتثمر نتائجها على كويتنا الغالية.
القبس



تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات