كلنا نستخدم كاميرات هواتفنا لالتقاط الصور والفيديوهات، منا من يمضي نهاره وهو يلتقط «سيلفي» على الطالع والنازل، ومنا من يصور ويتصور أثناء جمعة العائلة أو نزهة جميلة، أو يدون رحلة له عبر تصوير أماكن سياحية في بلد جديد. أما الأغلبية فصارت كاميرا الجوال بالنسبة لهم سلاحاً يستخدمونه على «الفاضي والمليان» بحق وبغير حق، وبإذن وبغير إذن.

رجل يدخل مستشفى، فيجد أن هناك زحمة مراجعين فيصور فيديو لنفسه، وهو يتهم الأطباء بأنهم تركوا المرضى، وراحوا يتفرجون على مباراة كرة قدم. آخر يمسك جواله ويصور فتاة تلبس ثوب الصلاة وتصلي على ظهر مركب، وعند انتهائها من الصلاة تنزع ثوبها وتنزل البحر. امرأة تجلس في عرس «نسائي»، تمسك هاتفها و«هات يا تصوير» في بنات الناس، هذه اللي خالعة حجابها، وهذه اللي لابسة «قصير»، وتلك التي ترقص بمزاج، ومن ثم ترسل الفيديوهات الى كل «جروباتها» بلا خجل او حياء. أما أولئك الذين يتصورون مع المرضى في المستشفيات لعرضها على الشاشات، فبودي أن أفهم سرهم.

انتهاك الخصوصية، فعل مجرم، فليس لأحد الحق في تصوير شخص آخر، ونشر صوره على وسائل التواصل الاجتماعي، ولا في إلقاء التهم جزافاً كيفما اتفق. فأنت وإن كنت تملك كاميرا تسجل فيها وقائع، لكنك لا تملك الحقيقة مهما حاولت ادعاءها. وعليك أن تدرك أنك بجوال أو بلا جوال، أنت لست وكيل الله في أرضه، ولا يمكنك محاكمة البشر والحكم عليهم وفضحهم على الملأ.

على الطرف الآخر، لجأ كل من هب ودب الى كاميرات الهواتف ومنصات التواصل الاجتماعي لاستعراض أنفسهم عبر صورة شخصية في «بوز» مختلف، وتحتها يكتبون «أي حاجة في أي حتة»، في محاولة لإظهار مفاتنهم والأهم «مفاتنهن». نائبة في مجلس نيابي عربي تكتب تغريدة طويلة عريضة عن أحداث مأساوية تحدث في بلدها ونتائجها الكارثية على المجتمع والبيئة والناس، مرفقة التغريدة بصورتها وهي في أجمل حلة وأناقة، كاملة المكياج والزينة بابتسامة نصف متر. طيب بس لو تفسر لنا سعادة النائبة ما شأن الكوارث البيئية بجمالها؟

نأتي للمصيبة الأكبر، وهي أكبر لأن لها تداعيات وآثاراً على الناس والجمهور، هم أولئك الذين بلا خبرة ولا معرفة ولا علم، استغلوا كاميرات الهواتف لتسجيل فيديوهات عظات ونصائح اجتماعية، سياسية، دينية، وحتى طبية، لعرضها على منصات التواصل الاجتماعي، وبشرط أول أن يظهروا في الفيديو بكامل أناقتهم وجمالهم و«مجوهراتهم».

كتبت الدكتورة مشاعل الهاجري: «بالنظر إلى تفاهة المحتوى، أغلب الظن أن كثيرا (إن لم يكن أكثر) ممن يسجلون الفيديوهات لينصحوا الناس ويعظوهم لا يعدون أن يكونوا أناساً ذوي ميول فنية ــ استعراضية، لم تسمح لهم الأسرة أو الوضع الاجتماعي أو الظروف بالتوجه إلى الفن، فصاروا يشبعون ميولهم المسرحية تحت ذريعة العظة والنصح من خلال منصات وسائل التواصل الاجتماعي.

انتبه وستجد أن ما يقدمونه من محتوى فارغ عادة هو مجرد تبرير للظهور أمام كاميرات السوشيال ميديا، التي يبدو أنها سقطت عليهم هدية من السماء».

في النهاية دعونا نقر أنه لا ذنب للهواتف ولا للكاميرات فيما نرى.. هو ذنب حاملها.

دلع المفتي

dalaaalmoufti@

D.moufti@gmail.com



تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات