لا شك أن السيد ترامب هو من أكثر رؤساء أميركا إثارة للجدل، فقد كان خلال حملته الانتخابية كثير الوعود الصعبة التحقيق، مثيراً للمشاكل مع الآخرين، حتى الأميركان منهم، ولكنه ما أن فاز في معركته الرئاسية حتى برهن أنه أكثر الرؤساء براً بوعوده، وللأسف كان أكثر وعوده التزاماً هو ذلك الذي أضر بالعرب لمصلحة إسرائيل، وأما أسوأها على الاطلاق فهو الاعتراف بالقدس عاصمة لدولة الاحتلال، ومباركته لها بضمها لمرتفعات الجولان، وإصراره على إبرام ما يسمى بصفقة القرن.

لكن ما يحيرنا هو تنصله عن وعود أخرى كانت ضد إيران تحديدا، فعندما هددت الأخيرة بإغلاق مضيق هرمز، توعدها إذا ما تجرأت هي، أو من ينوب عنها، بأي عمليات إرهابية ضدها أو ضد انسيابية الملاحة الدولية، فالرد سيكون حاسماً ومستهدفاً عقر دارها، ولكن ما حصل يدعو الى العجب، فلم يلتفت الى تهديداته، وقامت عمليات إرهابية عدة ضد قواعد أميركية وطائراتها، وقصف منشآت وناقلات نفطية، فلم يحرك السيد ترامب ساكنا! وتراجع عن تهديداته بحجج لا تستقيم والعقل، وكان أكثرها إثارة للجدل، وحتى الاستهجان، هو أن إحجامه عن رد الاعتداءات الإيرانية هو لخوفه على أرواح 150 جندياً إيرانياً، فلماذا إذن تلك الاساطيل والطائرات؟ وهل خرجت من مصانعها لتلقي الضربات وقصف من اعتدى عليها بالورود خوفاً على حياتهم؟

‏تراجع السيد ترامب يذكرنا بالسيد أوباما، عندما هدد بضرب بشار، وهو إحدى أدوات إيران في منطقتنا، إذا ما استخدم الكيماوي ضد الشعب السوري، فقام بشار متعمدا باستخدامه، فحشد أوباما أساطيله أمام الشواطئ السورية، مما جعل فرائص الجميع ترتعد، بما فيها فرائص روسيا وإيران، وتوقع الجميع سقوط بشار خلال سويعات، ولكن المفاجأة أن قام أوباما بتراجع معيب له ومهلك للسوريين، فتراجعه شجع على التمدد الإيراني في سوريا.

الحقيقة أن التساهل الأميركي، وحتى الأوروبي مع النظام الإيراني واضح ولا يمكن إخفاؤه، وهذا يدل على أن الحفاظ على هذا النظام أمر ملح رغم ما ينشرونه عن انتهاكاته لحقوق الانسان، ورغم إثارته للقلاقل والتهديدات والتدخلات في شؤون بعض الدول العربية، وهذا يدفعنا الى أن نؤمن بأن ما يفعله النظام هو بالضبط ما يريده الغرب وإسرائيل، وأن النظام الإيراني لابد وأنه يعرف ذلك ويستغله.

وهناك مقالة كتبها السيد ياسين أقطاي، مستشار الرئيس التركي، تحت عنوان «أميركا لن تقتل الدجاجة التي تبيض لها ذهباً»، وهو عنوان مقالتنا الذي اقتبسناه، ما كتبه أقطاي حقيقة مهمة، لأنها تؤكد وجهة نظر الكثيرين الذين يؤمنون بأن أميركا لا تريد سقوط نظام هي وإسرائيل المستفيد الأكبر منه، وسأحاول هنا أن أنقل بعضا مما ورد فيها، وبتصرف كبير، لأهميته:

فواشنطن لا تسارع لنجدة أحد، فهي لا تبني سياستها على القضاء على التهديدات، بل على استغلالها، كتهديدات إيران لدول الخليج، فكيف يقضي ترامب على النظام الإيراني، وهو وأسلافه الرؤساء يعتبرونه «كالدجاجة التي تبيض لهم ذهبا»؟

وأشار أقطاي الى أن القدور في منطقة الخليج العربي تغلي من أجل إيران، لكن ليس من الواضح من سيسلق هذه المرة، فقد غلت تلك القدور مرات عدة من أجلها، إلا أن من رمي فيها هو الشعوب الأفغانية والعراقية والسورية واليمنية، وحتى اللبنانية، أما إيران فبقيت خارجها، وللعلم فمصطلح «غليان القدر» له دلالة صفوية، فقد كان إسماعيل الصفوي يرمي أعداءه في قدور تغلي مياهها، وكان الناس في شغف لمعرفة من سيسلق هذه المرة.

فإيران تهدد العرب، والعرب يدفعون مقابل تهديداتها ذهباً لأميركا، ولولا إيران لما اضطر العرب الى هدر أموالهم اتقاء لشرها.

طلال عبدالكريم العرب

talalalarab@yahoo.com

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات