الصين لا تستطيع مواجهة أميركا..ولا تريدها

د. علي حسين باكير -

خلال العقدين الماضيين، حققت الصين قفزات كبيرة على المستويين الاقتصادي والعسكري لم يسبقها إليها أحد لناحية السرعة والتسارع. الصين اليوم هي أكبر دولة تجارية في العالم، وأكبر مصدِّر، وثاني أكبر مستورد للبضائع، وأكبر مستورد للنفط، وصاحبة أكبر احتياطي نقدي في العالم بما يتجاوز الـ3 تريليون دولار. الاقتصاد الصيني يحتل المرتبة الثانية عالمياً، وإذا ما احتُسب الناتج المحلي الإجمالي بالقياس الى القوّة الشرائية فإن الاقتصاد الصيني يحتل المرتبة الاولى عالميا منذ سنواتٍ عدّة متخطياً بذلك الاتحاد الاوروبي والولايات المتّحدة.

حجم وسرعة هذه التحولات يثيران الدهشة والانبهار، وبسبب حجم الصين الجغرافي وتعدادها الديمغرافي (حوالي 1.4 مليار انسان)، تحظى هذه المتغيرات باهتمام دولي ذلك أنّ انعكاساتها تتخطى النطاق المحلي الى الخارجي. لم تأتِ هذه الانجازات بطبيعة الحال بمجهود محلّي فقط، إذ إنّ شأنها شأن الدول الحديثة، جزء من الثروة الصينية جرى تكوينه من خلال القرصنة وسرقة الملكية الفكرية والتقليد والتجسس الصناعي، وبالطبع الاعتماد على الإنتاج للتصدير كذلك. لقد أدّت هذه الممارسات الى تراكم هائل للثروة في الصين، وكما هي عادة الدول الكبرى استُثمر جزء كبير من هذه الثروة في تطوير القدرات الأمنية والعسكرية والدفاعية للبلاد.

الصراع على «هواوي»

في ١٥ مايو الماضي، أضافت الولايات المتّحدة شركة «هواوي» الصينية إلى قائمة كيانات الأمن والسلامة، التابعة لوزارة التجارة الأميركية وذلك بناءً على أمر تنفيذي من الرئيس دونالد ترامب يحظر بموجبه «هواوي» رسمياً من شبكات الاتصالات الأميركية. جوهر الشق الاقتصادي يكمن في أنّ الشركة الصينية تطوّر تقنية شبكات الاتصال من الجيل الخامس (5 جي) التي تتيح سرعات خرافية للمستخدمين وهي متقدّمة على جميع المنافسين حول العالم بما في ذلك المنافسين داخل الولايات المتّحدة بسبب الدعم الحكومي للشركة الصينية وغياب الحرية الاقتصادية والتنافسية داخل البلاد مقارنة بالتنافس الشديد بين الشركات الأجنبية داخل بلدانها.

تقنية الـ(5 جي) سترسم شكل المستقبل الرقمي العالمي، ومن سيسطر عليها فسيتاح له ان يسيطر على جدول أعمالها ومخرجاتها والبنية التحيّة المتعلّقة بها إضافة الى كل ما يرتبط بها من تكنولوجيا وإلكترونيات. من المنتظر أن تغير هذه التقنية شبكة الإنترنت بشكل جذري وكذلك الامر بالنسبة الى عدد من المجالات المتعلقة بالتجارة والصناعة والطب والاقتصاد والمال، وأن تولّد هذه التقنية حوالي 12.3 تريليون دولار في عام 2035 في الاقتصاد العالمي. اذا ما نجحت الصين في فرض نفسها في هذا الميدان، فستتسيّده من دون شك.

وعلى الرغم من انّ القرار جاء في سياق ما يوصف بالحرب التجارية الباردة بين الولايات المتّحدة والصين، إلاّ أنّ آخرين يعتقدون أنّ المخاوف الامنيّة المتعلقة بهذا الموضوع لا تقل أهمّية كذلك عن الشق الاقتصادي. من وجهة النظر الاميركية، سبق للصين أن قامت بعمليات تجسس صناعي واسعة النطاق خلال العقدين الماضيين، كما استفادت من الأزمة المالية العالمية التي ضربت العالم العقد الماضي لشراء أصول ومصانع أميركية في مجالات حسّاسة للغاية، الأمر الذي دفع المشرّعين حينها الى وضع حظر على بيع القطاعات الأهم في البلاد الى الصين.

وفيما يتعلق بشركة هواوي تحديداً، فان واشنطن كانت قد أبدت قلقاً حيال أنشطتها منذ فترة طويلة وذلك بسبب مخاوف تتعلق بإمكانية استغلال الحكومة الصينية -بعلم وتعاون الشركة أو من دون علمها- أجهزة الاتصالات الخاصة بها والبنية التحتيّة للقيام بعمليات تجسس وقرصنة واسعة النطاق سيما وأنّ الشركة باتت تتوسّع بشكل سريع على النطاق العالمي ويشمل ذلك الدول الغربية أيضاً. في تقرير لها الشهر الماضي، أشارت بلومبرغ الى انّ الشركة الصينية دخلت في عشرة مشاريع تعاون مع الجيش الصيني خلال العقد الأخير في مجالات الذكاء الاصطناعي والاتصالات اللاسلكية وأنّ معدات شركة هواوي قابلة للاختراق من قبل الحكومة الصينية

وفي مؤتمر عقد مؤخراً في تل أبيب وحضره رؤساء وحدات المخابرات الإلكترونية في الولايات المتحدة وبريطانيا وإسرائيل، أعلن الضابط السابق في المخابرات العسكرية الإسرائيلية، ورئيس الشركة «سيبريزون» المتخصصة في الامن الإلكتروني عن كشفهم قيام قراصنة باختراق أكثر من عشر شركات اتصالات عالمية وسرقة كم هائل من البيانات من شبكاتهم. ووفقاً للشركة، دامت عملية التجسس سبع سنوات واستهدفت شركات في 30 دولة حول العالم، حيث جرى التعرف على أنشطة تخريب إلكترونية سابقة نسبتها الشركة للصين.

مواجهة أميركا

تخلق المعطيات المتعلّقة بالصعود الصيني على المسرح الدولي الانطباع عن جهوزية بكّين لتحدّي الولايات المتّحدة على زعامة العالم سياسيا واقتصادياً وحتى عسكرياً. صحيح أنّ الصين تصعد على سلّم القوّة الدولي بشكل سريع، وصحيح أيضاً أنّ الصين تحقّق تقدّماً مذهلاً في المجال التجاري والصناعي والتكنولوجيا، لكن مثل هذا الانطباع غير دقيق في أحسن الأحوال.

الازدهار الصيني ارتبط بشكل أساسي بقواعد التجارة الدولية التي أرساها الغرب بشكل عام، كما انّ معظم الفوائض التجارية الصينية تعود الى علاقاتها التجارية مع أميركا. تحقق الصين سنوياً ما يزيد على 300 مليار دولار كفائض تجاري في تعاملها مع واشنطن. خلال العامين الماضيين فقط، بلغ حجم هذه الفوائض الصينية الناجمة عن التجارة مع أميركا حوالي 800 مليار دولار، وهذا يعني أنّه في باب الحسابات المحضة، لا يوجد مصلحة صينية للدخول في حرب مع أميركا. علاوةً على ذلك، فإنّ الصين لا تخلو من مشاكل داخلية تتعلق بحجم دخل الفرد المنخفض قياساً بالدول الصناعية المتطورة واتساع الفوارق الاجتماعية الهائلة بين الفقراء والأغنياء والمشاكل الناجمة عن سياسة الطفل الواحد التي جرى اعتمادها سابقاً بالإضافة الى النزعات الانفصالية القوّية في أجزاء مختلفة من الصين لاسيما في القسم الغربي من البلاد.

كل هذه المعطيات تعني أنّ بكّين، وفي هذه المرحلة الاستثنائية من صعودها الدولي، لا تريد الانجرار الى معارك تعطّل من إنجازاتها أو تعرقل من صعودها. الصين غير قادرة عسكرياً أيضاً على مواجهة الولايات المتّحدة أو حتى استبدالها من خلال تحمّل المسؤوليات الأمنية التي تقوم بها حول العالم لأنّ مثل هذه المهام ترتّب تكاليف مالية ضخمة كذلك، والصين في غنى عن مثل هذه الالتزامات الآن وبهذا المعنى، لا يوجد قرار صيني لتحدّي أو مواجهة الولايات المتّحدة، لكن من دون شك هناك قرار بحماية المصالح الصينية قدر المستطاع، واعتماد سياسة الصبر الإستراتيجي للوصول الى الهدف النهائي.

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات