قرأت خلال شهر رمضان المبارك ثلاثة كتب، تكشف الأسس والثوابت، التي قام عليها النظام السياسي والاقتصادي الكويتي منذ بدء حياتها إلى عام 1950 مع وصول النفط إلى حجم التصدير بكميات والاستفادة من عوائده، وحدث هذا الانفجار الذي بدّل الكويت تماماً، وشلّ أهم مصدرين في إعاشتها، الغوص على اللؤلؤ، وتجارة التمور التي تحملها سفن الكويت إلى الهند وأفريقيا، وبين عشية وضحاها تحوّل هذا الأسطول البحري المسيطر إلى سفن متوقفة في انتظار من يشتريها من سواحل إيران، وانتهى بذلك فصل أسطوري، صنعه أبناء السندباد الكويتيون.

وقد شهدت شخصياً منظر السفن (الأبوام الكويتية) مهجورة يتآكل جسدها الخشبي من قسوة الشمس، وصارت هذه السفن الجميلة المتلاصقة مع بعضها أشباحاً بحرية لا وليّ لها، ولا نصير.

الأول من هذه الكتب التي قرأتها، كتاب عن حياة الشيخ عبدالله بن صباح الصباح، الذي حكم من عام 1866 إلى 1892، جد الشيخ عبدالله الخليفة، والشيخ عبدالله الجابر، وأخي الشيخ مبارك الكبير.

كتبت الشيخة د.سعاد الصباح الكتاب اعتماداً على الأرشيف البريطاني والأرشيف العثماني، سأختار موقف الشيخ عبدالله حاكم الكويت الخامس من الحرب الأهلية داخل نجد بين عبدالله بن فيصل آل سعود، وبين أخيه سعود بن فيصل آل سعود، حيث دعم الشيخ عبدالله بن صباح الشرعية السعودية التي تمثلت في الإمام عبدالله بن سعود وسعى حاكم الكويت لتأمين دعم عثماني للإمام عبدالله، وأرسل مبعوثه عبدالعزيز بابطين إلى الوالي العثماني مدحت باشا في بغداد.

وتمكّن الشيخ عبدالله من دعم الحملة العثمانية إلى الاحساء، ووفّر لها 300 سفينة تحمل المواد إلى القطيف، لكن الشيخ عبدالله غضب من الوالي مدحت باشا، الذي عارض منح الإمام عبدالله حكم الاحساء، ومنها بدأ الشيخ عبدالله يتخوّف من أهداف والي بغداد واحتمالات الاستيلاء على أملاك أسرة الصباح في البصرة، خاصة بعد رفضه القوي لوجود عثماني في الكويت، وظهر أسلوب الشيخ عبدالله في علاقاته مع الدولة العثمانية شبيهاً بدبلوماسية المراوغة evasive diplomacy وتبنّاها الشيخ مبارك، إلى أن وقّع الاتفاقية مع بريطانيا عام 1899، وتعلّم الشيخ مبارك كثيراً من أساليب الشيخ عبدالله في تعامله مع الدولة العثمانية.

وسنقرأ كيف تعامل الشيخ مبارك الصباح مع صناع الاقتصاد الكويتي البحري، وأبرزهم هلال بن فجحان المطيري، والسيد إبراهيم المضف، والسيد شملان بن علي آل سيف، ونرصد التحوّلات التي رافقت الشيخ مبارك في تعامله مع أزمة مع الطواويش.

الكتاب يغطي فراغاً تاريخياً تعاني منه الكويت خاصة عن فترة حكم الشيخ عبدالله بن صباح وابنه جابر الممتد لأكثر من 94 سنة، واستفدت شخصياً، رغم أن الكتاب يعاني من غياب تحليلات للأحداث فقد اكتفى بتسجيلها.

الكتاب الثاني وفق التسلسل التاريخي هو الكتاب الذي أعده بدر بن ناصر المطيري عن هجرة الطواويش من الكويت وهلال المطيري، واستفاد الكاتب من مقابلات وأرشيف كويتي حافظت عليه وزارة الإعلام مع تسجيلات مع القريبين من الحاج هلال مثل حمد ناصر البراك، المؤتمن على الشأن المالي والاداري، كما استفاد من الأرشيف البريطاني الذي يحتوي على تقارير المقيمين المعتمدين البريطانيين في منطقة الخليج..

يكتب المقيم السياسي في الكويت شكسبير في الرابع من أكتوبر 1910، إلى المفوض العام البريطاني في الخليج، مكنزي، أن شملان بن سيف وإبراهيم بن المضف عادا إلى الكويت، لكن هلال المطيري لم يعد مع أنه حصل على الضمانات التي يريدها، ففي رسالة الشيخ مبارك إلى هلال وعد بالأمان الكامل مع لهجة تصالحية وودية بشكل مميز، وإذا لم يستجب السيد هلال فمن المحتمل حدوث مشاكل مع الغاصة والتزاماتهم، وهذا يسبّب المشاكل للبحرين والكويت، ويرى المقيم شكسبير ضرورة عودة هلال.

وقد لعب الشيخ عيسى بن خليفة دوراً مميزاً في حل المشكلة، وبوعي تام لمخاطر استمرارها، لكن الحقيقة أن الشيخ مبارك الصباح، رغم تشدده وتصلبه، يملك العناصر الجوهرية لايجاد الحلول، فيتنقل بسهولة بين الشدة والمرونة، بين العتب والمشاعر الأبوية، وبين البراغماتية الواقعية، فقد كان على دراية بما سيحدث في الكويت إذا دخل الخراب المنظومة المتوارثة في العلاقات بين الطواويش والغاصة والسيب، فالترابط في دورة المال في نظام الغوص لا يسمح بالتعثّر.

انتهت الأزمة لأن الشيخ مبارك كان رجل دولة في إدراكه لأبعاد الأزمة فوضع مصلحة الكويت واستقرارها فوق كل اعتبار وأنصح بقراءة هذا الكتاب الأنيق الموثق.

وثالث الكتب هو سيرة الوجيه الكويتي البارز حمد بن عبدالله الصقر، كتاب موثّق بأناقة مرتفعة وتوثيق رائع وأرشيف شخصي، حيث وظف الكاتب د.فيصل عادل الوزان هذا الأرشيف العائلي بطريقة جميلة، فيه رسائل من الأم إلى ولدها حمد، ورسائل حمد إلى ممثليه في الهند والكويت وأفريقيا، مع نسخ من وثائق تجارية ومراسلات شخصية كويتية وسعودية وأمراء قبائل، وتواصله مع هلال المطيري، وخرائط للمدن الكبرى والصغرى للخليج العربي ورحلات السفن الشراعية الكويتية.

سألت منذ سنوات شقيقي النوخذة عيسى بشارة، عن حمد الصقر، ودوره في تأمين كميات التمور، لنواخذة الكويت، فكان يتحدّث بخبرة عن ثقة الحاج حمد بالكويتيين نواخذة وتجار وبحرية، فهمّه الأكبر أن تجد سفن الكويت ما تحمله من تمور إلى الخارج، ومن هذه العلاقة لعب دور صانع السوق في تأمين البضاعة وتواجد السفن وأنه بنى اسطولاً خاصا به لكي لا يبرز نقص أو فراغ في الدورة الاقتصادية التي تعتمد عليها الكويت في حياتها.

كما وفر للسفن الأخرى من عمان ومن سواحل إيران، شحنات من التمور، فكان المصدر الأكبر وصار «أبو التمور الكويتي» كما أعجبني جمال الخط في الرسائل المتبادلة المكتوبة بخط اليد..

هناك ملاحظتان؛ الأولى: أن حمد الصقر كان تاجراً بكل حرفية وبكل المعاني ولم يلتفت نحو السياسة، والثانية أنني واثق بتواجد حمد الصقر في الأرشيف البريطاني والعثماني والهندي، وربما نحتاج إلى إطلالة على هذه المصادر لنقترب من الكمال.

ولا بد من إبداء شكري الجزيل لمن وفّر هذه الكتب القيمة، ولحسن الحظ أنها نالت إشرافاً مباشراً من أحفاد هذه الشخصيات الثلاث البارزة، ألف شكر..


عبدالله بشارة

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات