عندما ترعى الدول الكتاب باعتباره «لقيطاً!»
ليلاس سويدان |

لا تستطيع أن تقيّم وضع الكتاب على مستوى المقروئية أو صناعة النشر من دون أرقام وإحصائيات، ويبقى كل ما يقال من دون تلك الأرقام مجرد آراء غير دقيقة أو معلومات ناقصة. نحن لا نعلم حقاً كم كتاباً يباع في الوطن العربي سنوياً؟ وما هي نسبة كل تصنيف كتب من المبيعات؟ وما هي الكتب الأكثر مبيعا فعلاً؟ وما هي صادراتنا «إن وجدت» من الكتب؟ وما هي وارداتنا منها؟

«الشعب العربي لا يقرأ» و«صناعة الكتاب تعاني من عقبات»، كل هذه العبارات وما يشبهها ستكون مجرد كليشيهات تكرر في المقالات عن عالم النشر الغامض المبهم على مستوى الأرقام الدقيقة. وبالتالي كل ما يتبعه من شكاوى المؤلفين من ضياع حقوقهم المادية والأدبية متوقع وبديهي أيضاً.

قلب الصناعة الثقافية
نحن نتحدث عن «صناعة» لمنتج لم تهتم الدولة إلا بمحاصرة خروجه عن «العادات والتقاليد»، كما تسميها أحيانا، أو قوانين «النشر» التي تضعها لأسباب تخصها وتخص توافقاتها السياسية، ولا تخص جودة «المنتج» بما أننا نتحدث عن صناعة.
في عالم متعثر من الصعب أن يكون الكتاب استثناء، وأن تكون «صناعته» متطورة، إذا جاز لنا أن نسميها صناعة مقارنة بدول العالم المتحضر، الذي تضع فيه الدولة قوانين حماية للكتاب، وتنظم عملية النشر الورقي والالكتروني، وتحمي حقوق المؤلف والناشر، وتكون دور النشر ذات هيكليات تنظيمية وإدارية. صناعة النشر التي تعتبر قلب الصناعة الثقافية بلا قاعدة بيانات ولا دراسات عن الميول القرائية في العالم العربي، بل وبعض الدول تضع ضرائب مرتفعة ورسوماً جمركية على مستلزمات طباعة الكتب، التي لا تعد الدول العربية منتجة لها.

تخلٍّ متعمّد
أكثر من ألفي دار نشر في الوطن العربي، نصفها يعمل بشكل مستمر، والنصف الآخر بشكل متقطع، تبدو وكأنها تعمل في مساحة من المجهول، بينما العالم يصدر تقارير عن صادراته ووارداته وسوقه المحلية والعالمية، وآخرها تقرير عن دور النشر البريطانية، الذي قيل فيه انها «حطمت جميع أرقام الإيرادات السابقة في 2017 لترى مبيعاتها الجماعية ارتفاعا بنسبة %5 إلى 5.7 مليارات جنيه إسترليني، مدفوعة بنمو في مبيعات التصدير التي تمثل الآن %60 من عائدات الناشرين».
تستطيع أن تخمن أن أحد أسباب هذا التخلي، الذي قد يبدو متعمداً من الحكومات العربية عن الكتاب، هو عدم ارتياحها لوجوده، إن لم تستطع السيطرة عليه لمصلحتها بشكل كامل، وأن هذا المنتج لن يشكل لها فارقا كبيرا في اقتصادات ريعية، أو اقتصادات تحتاج لخطط إنقاذ، لإنها على وشك الانهيار. وآخر همها بالطبع أن ترصد خسارة أسواق عربية ومنافذ للبيع في دول تعاني من أوضاع سياسية عصيبة، منذ ما يسمى الربيع العربي، وتأثيرها على الناشر والقارئ وكل العاملين في صناعة الكتاب.

الكتاب اللقيط
الفارق بيننا وبين الغرب تاريخ كبير من رعاية الكتاب، فأميركا مثلا جعلت القراءة جزءاً من نمط الحياة الأميركية في بداية القرن العشرين، خصوصا لدى الطبقة المتوسطة، لذلك ما زال الأميركيون يقرأون رغم وجود الانترنت والتلفزيون والسينما، أما في أوروبا وفي باريس عام 1891 أسست مجموعة من الناشرين الكبار منظمة IPA (الاتحاد الدولي للناشرين)، التي كان أول أهدافها «احترام طبع الكتاب» حول العالم. نحن في هذه المنطقة نتعامل مع الكتاب مثل الابن اللقيط، الذي لا تريد بعض الحكومات أن ترعاه كابن شرعي، وما تقدمه له من دعم هو «حسنة» تضاف الى صورتها في العطف على الثقافة!

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات