«انعزل قدر ما تشاء لتصبح أقوى، مهما رأيت من الوحدة جحيماً لا يطاق، فهي أفضل بكثير من الأقنعة المتعددة للبشر» - فيودور دوستويفسكي
عندما ينكفئ الإنسان على نفسه، ويبتعد عن الجو العام للعالم حوله، ويتشرب مشارب العزلة، وتكون الوحدة ملاذا له، لا يعطي بالا لما يجري، ويعتبر ما وراءه وراءه، والعزلة والانكفاء والوحدة مسلمات، والتواصل المجتمعي والحركة مفقودان، للانكفاء نواح إيجابية، منها الابتعاد عن الضغط بأنواعه كاعتزال صخب سياسي وصل إلى مرتبة اللاوعي، أو تشبث تيارات الفكر بمسلمات أصبحت تأخذ درجة التقديس، ولم يعد من المتاح حتى النقاش حولها، أو غير ذلك من مبررات الانكفاء.
ليس جبنا أن تنكفئ أو تعتزل، بل في أحيان كثيرة هو حفاظ على مبادئ سامية، وإدراك لمتطلبات منطقية تتراكب مع ما يحاك في العلن، ويتقرر تحت ضغط البهرجة الكاذبة، نحن في وقت أصبح فيه مجرد التعاطف في أمر معين احيانا جريمة، أصبح فيه أن لا رأي تستطيع قوله بحرية، الصخب السياسي استحوذ على الأخضر واليابس، وأما ان تعطل عقلك، او ان تكابد الأمرين، ولن تخرج بفائدة!
في كتابه «العزلة والانفراد» قال ابن أبي الدنيا: «كَانَ يُقَالُ: الْحِكْمَةُ عَشَرَةُ أَجْزَاءٍ: فَتِسْعَةٌ مِنْهَا فِي الصَّمْتِ وَالْعَاشِرَةُ: عُزْلَةُ النَّاسِ!»، حتى في تطبيقات وسائل التواصل الاجتماعي فإن خضت في موضوع معين ولم تستطع قول الحق، أو حتى الصد عن مدح الباطل، فالحكمة تقتضي الخروج فورا، ليس من سمات الإنسان العاقل الرياء او النفاق، أيا كان وجه ذلك، والأديب مصطفى صادق الرافعي قال كلاما فيه الكثير من التشاؤم والحرقة، إذ قال ذات مرة: «في مِثل هذا العصر، يكاد يكون التَّعريف الصَّحيح للأفضل مِن النَّاس: أنَّه الأقلُّ سفالة»، واجدني مصطفا مع الرافعي رغم التشاؤم!
في ردهات إحدى الأزمات الإقليمية، وجدت مثقفين ومفكرين يشار إليهم بالبنان، وقد تاهوا مع أتون الأزمة وهم يخرجون بآراء ومواقف متأثرة بموقف سياسي يخالف مبادئهم وادبياتهم، تأثروا وهم من يفترض أن يؤثروا، قد يكون الهاجس الامني وسط عالم لا يرحم، يحسب حتى عواطفك، لكن أيضا لا عذر لهم، على الأقل انكفئ واعتزل، فالأزمة كغيرها ستمر رغما عن الكل، فالكل يعلم أين تكمن الأصابع التي بإمكانها ضغط زر ON أو OFF لاستمرار أو إنهاء الأزمة، إن احترام النفس هو أهم حقوقها لدى الإنسان، كن سيدا لا ان تكون من ضمن القطيع، وإلا ما فائدة الألقاب الاكاديمية والثقافية؟

يوسف عوض العازمي
alzmi1969@

تعليقات

التعليقات:

WhatsApp
اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات
    view tracking