تتكرر حوادث النفط.. وتضمحل المواقف الشجاعة
بنزين السيارات هو عصب الحركة اليومية في حياة الناس. لذا تحرص كثير من الدول على أن يكون لديها اكتفاء ذاتي من البنزين ومخزون يغطي استهلاك الدولة لفترة كافية تحسباً لحدوث أي طارئ قد يعيق عمليات الإنتاج، الكويت كانت في وقت من الأوقات تبيع فائض البنزين إلى الإمارات وسنغافورة وغيرهما، بعد تقييم كلفة التصنيع محلياً مقارنة بالأسعار العالمية للبنزين، بهدف تعظيم ربحية المصافي، أما اليوم فلا بيع بل شراء مزيد من شحنات البنزين، لماذا؟
زيادة عدد السكان والسيارات والتوقيفات الطارئة في المصافي حولت الكويت من بائع إلى مشترٍ للبنزين، نقطة التحول جاءت بعد حريق مصفاة الأحمدي في يونيو عام 2000، الذي كان أسوأ حادث في تاريخ المصافي، نتجت عنه خسارة أرواح بريئة ودمار وحدات بلغت كلفة اعادة بنائها حوالي 435 مليون دولار. هذا الحادث دعا وزير النفط الأسبق سعود الناصر الصباح إلى اتخاذ موقف شجاع بتقديم استقالته، وتحمل التبعات السياسية، تكرر ذات الموقف الشجاع مع الوزير الاسبق عادل الصبيح، وقدم استقالة فورية، بعد حريق مركز تجميع النفط عام 2002، استمرت الحوادث، وكان آخرها وحدة H-Oil في أغسطس 2015 ولكن لم نر موقفا شجاعا واحدا من القيادات النفطية، لماذا؟!
وحدة إنتاج البنزين 25 CCR، التي تعرضت لحريق الاسبوع الماضي، بدأ تشغيلها في اكتوبر 2003، وتعمل على تحويل النافثا الى ريفورميت عالي الاوكتين (مركبان أساسيان لتصنيع البنزين)، وتنتج 18 الف برميل يوميا، حاليا تعمل وحدة 26 CCR وحيدة من دون Back up بطاقة قصوى حوالي 3.0 ملايين ليتر يوميا، هذا الوضع غير مريح، خاصة في فصل الصيف! ماذا لو توقفت الوحدة، لا سمح الله، لعطل طارئ؟ الوحدة تغطي حوالي %30 من احتياجات السوق المحلية، علما بأن استهلاك الكويت اليومي من البنزين حوالي 13.0 مليون ليتر! بمعنى أن مخزون البنزين سيستهلك بشكل سريع ما لم يسد النقص بشكل أسرع. وقد يكون شراء الريفورميت أجدى من شراء البنزين، لتوفر مركبات أخرى في المصافي يمكن استغلالها، انه بعد توقف وحدة 25 CCR بشكل مؤقت وإغلاق وحدةCat Reformer 05، ووحدة النافثا بشكل دائم (مصفاة الشعيبة)، أصبح وضع أنتاج البنزين محلياً صعباً وحرجاً! سيترتب على ذلك شراء كميات أكبر من البنزين وبأسعار شراء أغلى.
كتبت مقالا في القبس، 11 ديسمبر 2016، لأقول إن الاستغناء عن مصفاة الشعيبة خطأ، وما زالت بعض القيادات النفطية تردد أن شراء البنزين من الخارج أرخص من تصنيعه محلياً (انظر الجدول)، علماً أن هناك معدل فرق سعري بنزين 92 وبنزين 95 بحدود 5 فلوس/ ليتر، يعادل نفس فرق سعري البنزين المحلي الممتاز والخصوصي قبل رفع الاسعار في سبتمبر 2016، بينما يزيد الفرق الحالي بين السعرين 20 فلساً/ ليتر. فهل لدى البترول الوطنية تفسير لهذا الفرق الكبير؟!
لا شك أن متابعة الأداء اليومي والشهري لوحدات تصنيع واستخدام أرقام دقيقة لحساب اقتصادات المصفاة يسهم في تحسين القرارات، ويجعل الموظفين والقيادات في كل المستويات مسؤولين عن قراراتهم، سواء إيجابية أو سلبية، ويمكن معرفة المصافي ذات الأداء المتدني من خلال عدة مؤشرات، منها كثرة التوقيفات الطارئة للوحدات، ارتفاع تكاليف أعمال الصيانة الدورية العامة GRTA، وجود سجل تسريبات نفطية وغازية ضارة بالبيئة، عدم وضع الرجل المناسب في المكان المناسب، فمن المسؤول عن الأداء المتدني؟ هل تغلق مصفاة لأن تكاليف تشغيلها عالية ويعد حلاً منطقياً؟ هل عجزت الإدارة عن وضع حلول جادة لمشكلة ارتفاع تكاليف التشغيل واتخاذ خطوات كفيلة بخفضها؟ وفي المقابل، هل يعد إغلاق بقية المصافي حلاً منطقياً، لأن أسعار النفط ارتفعت عالمياً، وأن العائد من بيعه خاماً أجدى من تكريره محلياً؟
وجاء بيان الشركة حول الحادث شبيهاً بالبيانات السابقة. اختلف فقط في رقم الوحدة وتاريخ الحادث! واختتم البيان بعبارة «سيتم تشكيل لجنة تحقيق في الحادث لمعرفة أسبابه، ولضمان عدم تكراره مستقبلا»، ولكن الحوادث تتكرر لماذا؟ ونتساءل: هل لدى الشركة عزم للأخذ بالأسباب؟ حقيقة، لم تعد تلك العبارة المعتادة مبعث اطمئنان وثقة، خاصة من متابعي الشأن النفطي!



عبدالحميد العوضي

(خبير متخصص في تكرير وتسويق النفط)

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات