مؤسسة البترول في وادٍ.. والعالم في آخر
أعلنت شركة أبل الاميركية العملاقة الاسبوع الماضي ان جميع مصانعها المنتشرة حول العالم تعمل بالطاقة المتجددة، مؤكدة التزامها بخلق بيئة مناخية نظيفة لتنضم الى شركات اخرى، مثل امازون وول مارت، في تقليل اعتمادها على الكهرباء المتولدة من استخدام الغاز والنفط ومشتقاته. خبر كهذا يشكل هاجسا كبيرا لشركات نفط عظمى مثل اكسون، شل، بي بي، توتال وشيفرون رغم تأكيدها على انتاج وقود نظيف للحد من الانبعاثات الضارة بالبيئة الصادرة من حرق منتجاتها كما ورد في استراتيجياتها للأعوام 2040 - 2050.
في عام 2005 توقعت اكسون، وبي بي، ان يصل اعتماد العالم على الطاقة المتجددة (طاقة شمسية، رياح..) الى 2 - %3 في عام 2030 مع ضآلة نمو السيارات الكهربائية. وبعد 8 سنوات تبين خطأ هذه التوقعات، ما دفع الشركات النفطية الى اعادة التفكير في استراتيجيتها ورؤيتها لمستقبل النفط والسيناريوهات المتوقعة وكيف تتفاعل مع المتغيرات غير المتوقعة في انتقال الطاقة. حتى اصبحت هذه الشركات اليوم تخطط للاستثمار في مجال الطاقة المتجددة والسيارات الكهربائية ورصدت حوالي 250 مليار دولار للسنوات الـ5 القادمة (بي بي، شل، اكسون) فماذا يعني ذلك؟
موقع بلومبيرغ توقع انخفاض الطلب العالمي بحدود 2 مليون برميل يوميا بحلول 2030 بسبب تنامي الطلب على الطاقة المتجددة، واغلقت في اوروبا حوالى 90 مصفاة نفط خلال السنوات العشر الماضية واعلنت 7 دول، منها بريطانيا وفرنسا وهولندا منع بيع سيارات تعمل بالبنزين والديزل بعد عام 2040، علما بأن حجم استهلاك اوروبا حوالي 5 مليارات برميل سنويا! ماذا لو منعت كل دول اوروبا ذلك وقبل ذاك الموعد؟ فماذا سيحدث لمستقبل البنزين والديزل؟
من جانب آخر، يرى اكبر مصنعي السيارات في العالم مثل فولكس فاغن وجنرال موتورز ان 20 - %25 من اسطول السيارات في عام 2025 سيكون من السيارات الكهربائية! حتى صناعة السيارت الصينية تتجه الى تصنيع المزيد من السيارات الكهربائية علما بأن استهلاك آسيا حوالي %45 من وارداتها في حركة السيارات، ماذا سيفعل العالم بالبنزين والديزل الذي يمثل اكثر من %55 من انتاج المصافي؟! وماذا سيحدث بعد تحول اميركا من اكبر مستورد الى مصدر للنفط والغاز؟
الرئيس التنفيذي لشركة بي بي أقر ان الطاقة المتجددة تضاعفت اربع مرات خلال السنوات الماضية واعتبرها الاسرع نموا بين مصادر الوقود وانها ستقلل الطلب على النفط في 2040، وان كان الطلب على النفط سيستمر، شل تركز على انتاج الغاز اكثر في عدة مناطق منها خليج المكسيك وقطر وسخالين والنرويج وتخارجت من مصفاة الصين مع الكويت ومصفاة اخرى في اميركا وباعت حصتها في حقل القرنة العراق! شيفرون باعت مؤخرا مصافي في جنوب افريقيا وكندا وقللت حجم استثمارها في انتاج النفط التقليدي بنسبة %4 وزادت تركيزها على انتاج الغاز والنفط الصخري وهو تحول ملحوظ عن استراتيجيتها السابقة.
على ماذا تعتمد مؤسسة البترول في اتخاذ قراراتها الاستثمارية لمشاريعها المستقبلية؟ عندما تتجه الى استثمار 500 مليار دولار لزيادة انتاج النفط وتوسعة الطاقة التكريرية! هل تعتمد على توقعات ذات مصداقية موثوقة للدخول في استثمار عال جدا؟ وقد سبق للمؤسسة التعامل مع بعض البيوت الاستشارية واتضح هشاشة توقعاتها! هل تستطيع المؤسسة تقديم تصوراتها عن أثر الطاقة المتجددة والسيارات الكهربائية على مشاريعها المستقبلية؟ هل تستطيع المؤسسة تقديم تقديراتها لتكاليف انتاج النفط والتكرير في عام 2040 مقارنة بالتكاليف الفعلية الحالية؟ ومقارنة تكلفة انتاج الوقود النظيف باسعار النفط؟ شركة البترول الوطنية لم تستطع تقدير ضرر اغلاق مصفاة الشعيبة وتقوم باستيراد البنزين وزيت الوقود للسوق المحلي، ما زاد في المصروفات، فكيف باحتياجات 2040! رأينا كيف تغيرت خطة انتاج مصفاة الزور من انتاج زيت الوقود لمحطات الكهرباء الى تطويره لمشتقات اعلى، ورأينا كيف تحولت محطة استيراد الغاز المسال المؤقته الى محطة دائمة. هناك اخطاء عديدة في استراتيجية 2020 ونتمنى تلافي الاخطاء في 2040 كما فعلت عندما دمجت مشروعي المصفاة ومجمع البتروكيماويات بكيان واحد لضمان النجاح وعزله عن شركتي KNPC و PIC.
الخلاصة ان جزءاً كبيراً من صادرات مؤسسة البترول الكويتية تذهب الى مختلف العالم والى العالم النظيف، فيتوجب تصدير مشتقات بترولية بمواصفات عالية الجودة تسمح باستخدامها التشريعات والشروط البيئية العالمية. فمن غير ذلك يصعب تسويق تلك المنتجات وتصبح عرضة لخسائر جسيمة. اننا نرى اختلافا بين التوجهات الاستراتيجية والتصورات للشركات النفطية العملاقة واستراتيجية مؤسسة البترول الكويتية ابرزها:
1. تركيز الشركات العالمية على الاستثمار في الغاز اكثر.
2. خفض الاستثمار في انتاج النفط التقليدي وبناء المصافي.
3. التركيز على الطاقة المتجددة اكثر.
قد يكون الاختلاف امرا طبيعيا كون مؤسسة البترول مؤسسة حكومية. لكن ما يهمنا هو تصور الشركات العالمية لمستقبل النفط الذي نرى ان المؤسسة انحرفت عنه، بينما هناك توقعات ومخاطر جادة تؤثر على طلب النفط ونزول اسعاره. فإذا كانت هذه الشركات تفكر بذلك فهل ما طرحته المؤسسة من توجهات استراتيجية سيكون جزءاً من حل المشاكل البيئية في العالم أم سيخلق مشكلة حقيقية في اقتصاديات ادارة المصافي وتكرير النفط الثقيل وتسويق النفط وتسويق مشتقاته؟

عبدالحميد العوضي
خبير متخصص في تكرير وتسويق النفط

 

• المصادر: تقارير 2018 لتصور الشركات النفطية بي بي، اكسون، شل، معهد اقتصاديات الطاقة الياباني.

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات