مبررات غير مقنعة لزيادة المصروفات.. والعجز
طالعتنا الصحف الكويتية لعدة أيام متواصلة وهي متخمة بتصريحات المسؤولين عن الحالة المالية للدولة، إلى ان صرح أخيراً وزير المالية برفع سقف المصروفات من 20 مليار دينار إلى 21.5 مليار دينار للسنة الجديدة 2019/2018 متناقضاً تماماً مع نفسه عندما صرح في 14 فبراير الماضي، وتأكيده التزام الوزارة بضبط سقف المصروفات عند 20 مليار دينار، والحد من الهدر المؤسسي، وأضاف ان الاصلاح يبدأ بالمالية العامة للدولة! من المبررات التي دعت إلى رفع سقف الانفاق كان ارتفاع أسعار شراء وقود المحطات نتيجة تحسن أسعار النفط العالمية!
قد يتساءل البعض إذا كانت أسعار النفط تتجه للتحسن فكيف يظهر العجز؟ هل الأسباب تعود إلى انخفاض الإيرادات النفطية أم زيادة الانفاق العام؟ علماً بأن الاقتصاد الوطني يعتمد على الايرادات النفطية بنسبة %94 في إعداد الميزانية العامة التي هي من أهم الأدوات الرئيسية للسياسة المالية للدولة، وترتكز على 3 عناصر أساسية لها علاقة مباشرة بالنفط:
1 - سعر تقديري للنفط لمشروع الميزانية.
2 - الإنتاج اليومي للنفط الخام.
3 - سعر صرف الدولار الأميركي مقابل الدينار الكويتي.
> أولاً: تتفق كل من وزارتي المالية والنفط ومؤسسة البترول لتحديد سعر تقديري للنفط خلال الربع الأول من كل سنة، يأخذ بالاعتبار التغيرات المتوقعة وتأثيرها في تقلبات أسعار النفط، هناك عدة عوامل أهمها العرض والطلب، فكلما زاد العرض هبطت الأسعار، السوق النفطية مرت بأزمات حادة هوت بالأسعار إلى مستويات متدنية من منتصف الثمانينات وفي نهاية التسعينات وصلت إلى 8 دولارات للبرميل، وعقب الأزمة العالمية عام 2008 تدنت إلى 35 دولاراً، وآخر تراجع كان 27 دولاراً في عام 2016.
> ثانياً: الإنتاج اليومي للنفط الخام هو عامل متغير وفق سياسة الإنتاج لمنظمة أوبك التي تلتزم بها الدولة، وقد يكون هناك فرق بين حجم الإنتاج الفعلي والقدرة الإنتاجية، فمثلا حجم الإنتاج الفعلي للكويت 2.7 مليون برميل يومياً بينما قدرتها الإنتاجية تبلغ 3.0 ملايين برميل يومياً، فهناك فارق يبلغ 300 ألف برميل يعادل 110 ملايين برميل لم تستغل خلال السنة المالية، هذه الطاقة الإنتاجية المعطلة تعد هدراً لقيمة 5.5 مليارات دولار لم تدخل إلى خزينة الدولة، ولا شك ان استمرار تعطيل طاقات أخرى مثل حقل الدرة وحقل الخفجي وقرار إغلاق مصفاة الشعيبة الخاطئ، هو الذي دفع إلى شراء الوقود لمحطات الكهرباء وشراء البنزين من الخارج وأدى إلى ارتفاع النفقات وليس تحسن الأسعار كما بررت الوزارة.
> ثالثاً: معدل سعر صرف الدولار مقابل الدينار يتأثر أيضاً بتقلبات أسعار النفط، فحجم التجارة النفطية يصل إلى 95 مليون برميل يومياً تقدر بنحو 5.7 مليارات دولار يومياً بما يعادل 2 تريليون دولار سنوياً، أضف إلى ذلك تداول المعادن الثمينة كالذهب والبلاتينيوم، فالنفط يشكل حوالي %70من حجم التجارة العالمية، لذا تتعرض قيمة الدولار إلى ضغوط كبيرة، وقامت الكويت بين عام 2003 و2007 بربط سعر صرف الدينار بالدولار لأسباب سياسية وألغت الربط في مايو 2007 لتعود إلى نظام ربط الدينار بسلة من العملات الرئيسية.
> وأخيراً نتساءل كيف تقر موازنة تقديرية يصل العجز فيها إلى 7.9 مليارات دينار؟ لماذا زيادة الانفاق تقر دون اكتراث لعجز متوقع في السنة القادمة؟ هل عين الإدارة المالية على السحب من الاحتياط العام والاقتراض لسد العجز؟ ألهذا لم تتطرق إلى نشأة العجز وأسبابه؟ لماذا تبقى مؤسسات حكومية جزءا من أرباحها ولا ترحلها إلى خزينة الدولة؟ هل أضحت هذه المؤسسات تتصرف كدولة داخل الدولة تفعل ما تشاء؟ فهل من المقبول مثلا ان تحفظ شركة KOTC (الناقلات) بأرباحها ولا تحولها إلى خزينة KPC (مؤسسة البترول) بحجة تمويل تجديد اسطولها؟ هل أصبح الرهان على تحسن أسعار النفط باباً لزيادة المصروفات؟ وقد أوضحنا ان العناصر الأساسية الثلاثة هي عوامل متغيرة لا نستطيع التحكم بها على عكس المصروفات التي نستطيع ضبطها، ان معالجة الاختلال في السياسة المالية يبدأ بالمصروفات التي هي بؤرة الاستنزاف المؤسسي، ويجب التأكيد على ان الثروة النفطية هي ثروة ناضبة متناقصة مع ضرورة وجود دور للقطاع الخاص في تحمل جزء من أعباء الميزانية وضرورة معالجة الاختلال في التركيبة السكانية للدولة التي هي من أهم المعوقات لاصلاح المالية العامة للدولة.



عبدالحميد العوضي
خبير متخصص في تكرير وتسويق النفط

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات