لماذا أكتب؟ هذا سؤال مستحق.. كنت أظنه يطرحه الكتاب ترفاً فكرياً أو أنه من بروتوكلات الكتاب أن يطرحوه، إلى أن كان ذلك الْيَوْمَ الذي فجأة طرحته على نفسي: تُرى لماذا أكتب؟!
نعم، لا بد أن أجيب نفسي على هذا السؤال، ولكن دعوني أولاً أروي لكم هذه الذكريات مع القلم:
كانت والدتي رحمها الله تأخذنا في مشوار خاص لنشتري الأقلام وتحدد له يوماً موعوداً تبتهج وتبهجنا معها بهذه الرحلة الميمونة الى المكتبة لشراء الأقلام.. وتغضب أشد الغضب إذا رأت قلما مرمياً على الأرض، وكانت رحمها الله توبخنا جداً على إهمالنا للقلم وعدم حفظه وتحرزه في مكان يليق به.. فرغم أنها كانت أمية لا تقرأ ولا تكتب، فإنها اولت عدة الكتابة اهتماماً عظيماً غرسته في نفسي، وكبرت على هذا التعظيم لذلك القلم.
كانت الأمهات حينما يقنعن أطفالهن بحب الكتابة والإقبال على كتابة الواجب تقول لهم: هل رأيتم مخلوقاً قط يمسك قلماً غير الإنسان؟!...ويذكرنهم بأنهم تميزوا بالقدرة على الكتابة والإمساك بالقلم.. وربما كان لهذا الكلام تأثيره في الاهتمام بالكتابة.
حينما أجيب عن سؤال: لماذا أكتب؟ فلن أذكر أن أول ما خلق الله عز وجل القلم، ولن أذكر أن هناك سورة في القرآن اسمها القلم، وقد بدأت بالقسم بالقلم وبالكتابة {ن والقلم وما يسطرون}.. فهذا أمر معروف ودلالته واضحة.
الكتابة تجعلني أشعر براحة الضمير وعدم تبلد الإحساس، خصوصاً عندما يثير غضبي أمر أو يهزني موقف، تبلد الإحساس وباء يغزو البشر حينما يغيبون في الترف المادي وينغمسون في الملذات فتزدحم أمامهم الملهيات، وتعمي قلوبهم المصالح فتجعلهم سلبيين غير مكترثين ولا مهمومين إلا بمصالحهم من دون أن يدركوا ذلك، بل إنهم قد يظنون أنهم على أحسن حال وأن هذا من صلاح وإصلاح الأمور.. {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ، أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ} سورة البقرة.. إنهم لا يشعرون، يفقد الإنسان مشاعره وتغيب، حينما لا يرى إلا مصلحته وحينما لا يركز إلا على تحقيق شهواته.
ربما تجعل الكتابة الإنسان يعيد الحياة لمشاعره ولإدراك نفسه.. الكتابة تدفعك للتحاور مع قلبك والتحدث إلى روحك التي تسكنك.. الكتابة تُحدث اهتزازا للضمير ووعيا للروح.. فلا عجب ان أول كلمات الوحي كانت {اقرأ}.... {الذي علم بالقلم}.
الكتابة هي البيان الذي اختص وامتن الخالق بها على الإنسان في سورة الرحمن يقول ربنا: {الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآَنَ (2) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (3) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ} اذن هو البيان وهي نعمة عظيمة؛ والكتابة بيان لما في خلجات النفس.. البيان هو النطق والتعبير وتحويل الأحاسيس والرغبات المعنوية الخفية إلى حروف وجمل مقروءة ومرئية.. وأحياناً ربما يخبرك قلمك عما في نفسك أكثر مما تعرفه أنت عن نفسك.
الكتابة تخبرنا بأننا أحياء وليس أمواتاً.. فالميت توقفت كل مظاهر الحياة وعلاماتها، فالروح التي كانت تسكن هذا الجسد قد غادرته وانتهت مدة إقامتها فيه لتحل في مكان آخر، حيث لا يمكنها أن تكتب أو تعبر، لذلك هي فرصة ثمينة مدتها محدودة لذتها عظيمة سرعان ما ستزول.. فما دامت هذه الروح لا تزال في الجسد تعمره وتحركه، اذن لنجعلها تنطلق وتعبر، لنجعلها تكتب.
سعاد أحمد الدبوس

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات