هل لإيران علاقة بالميليشيات الكردية في سوريا؟
د. علي حسين باكير

في مقابلة له قبيل اعتقاله وإعادة إطلاق سراحه من قبل السلطات التشيكية، قال صالح مسلّم الزعيم السابق لميليشيات PYD الكردية، انّ إيران وميليشياتها لا تمتلك أي نفوذ او تأثير في المناطق التي تسيطر عليها الميليشيات الكرديّة في سوريا، وذلك في معرض نفيه وجود علاقة بين الميليشيات الكردية وكل من نظام الأسد وإيران، لافتا الى أنّه حيثما يتواجد الاكراد في سوريا لا يمكن ان يتواجد الإيرانيون.
في معرض نفيه للمثبت، يشكّل تصريح مسلّم دعوة مبطّنة لتمكين الميليشيات الكرديّة في سوريا من احتلال المزيد من الأراضي بحجّة أنّه لن يكون بمقدور إيران أو النظام السوري التأثير في الأماكن التي يسيطرون عليها. ووفقا لوزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون، فإن قوات «قسد» التي تشكل ميليشيات YPG الكرديّة الجزء الأكبر منها، تسيطر على %30 من الأراضي السورية في وقت لا يتعدى فيه نسبة الاكراد %10 من الشعب السوري وفقاً لمعظم التقديرات المتفائلة.
ربما كان من الأدق الافتراض أنّه حيثما يتواجد الجنود الأميركيون على الأرض في سوريا، سيكون من الصعب على إيران والنظام السوري التواجد هناك، لكن عدد هؤلاء ضئيل جداً ليقوموا بتغطية ثلث مساحة سوريا. اذا تختفظ الولايات المتّحدة بحوالي ١٥٠٠ الى ٢٠٠٠ جندي من قواتها على الأراضي السورية. حجم هؤلاء غير كاف بطبيعة الحال لتأمين كل المناطق التي تتواجد فيها المييلشيات الكرديّة، وهذا يعني أنّ الميليشيات الكرديّة ستكون موجودة لوحدها في كثير من الاماكن التي احتلّتها. ماذا ستفعل حينها؟ الحقائق تقول انّ الميليشيات الكرديّة تقوم بتسليم الأراضي التي احتلتها من الثوار سابقا الى نظام الأسد عندما تفشل في الاحتفاظ بها.

استغلال الميليشيات
تجربة منبج وعفرين خير دليل على سلوك الميليشيات الكرديّة. لكن حتى لو تجاهلنا هذه الحقائق، وناقشنا الموضوع من زاوية أخرى، ثمّة ما هو منافٍ للحقيقة في تصريح مسلّم، ويمكن الطعن به من عدّة نواحٍ، إذ إنّ وجود علاقة بين الميليشيات الكرديّة وبين نظام الأسد أو النظام الإيراني لا يرتبط بالضرورة بعامل الأرض والجغرافيا. حتى إذا ما أخذنا بعين الاعتبار مثل هذه الفرضية التي تربط بين العاملين، فإنّ ما يجري في مدينة عفرين السورية يتناقض مع ما يقوله صالح مسلّم من جهتين، وجود علاقة مع نظام الأسد وإيران، ووجود نفوذ لإيران وميليشياتها في منطقة تسيطر عليها الميليشيات الكردية.
العلاقة بين إيران والميليشيات الكرديّة في سوريا لا تخرج عن إطار العلاقات التي ينسجها النظام الإيراني تاريخياً بالميليشيات والمجموعات المسلّحة على مستوى ما دون الدولي في الشرق الأوسط. والمفارقة في هذا المجال، إن مثل هذه العلاقة لا تقتصر على حقبة نظام الملالي، الذي تسلّم السلطة في العام ١٩٧٩ وحسب، وإنما تعود الى أبعد من ذلك، حيث عرف عن نظام الشاه قيامه باستغلال وتوظيف المجموعات الشيعية والكردية في المنطقة، لتحقيق أغراض سياسية إيرانية، بالرغم من كونه نظاماً علمانياً وقومياً.
فيما يتعلّق بالميليشيات الكرديّة على وجه التحديد، فقد استخدمها نظام الشاه ضد النظام العراقي، الى ان اضطر الأخير التوقيع على اتفاقية الجزائر عام ١٩٧٥، وبعد انقطاع قصير، عاد نظام الملالي إلى استغلالها من جديد عند وصوله إلى السلطة، وتم استخدام جلال الطالباني والاتحاد الوطني الكردستاني في الصراع الإيراني ــ العراقي، وقد أصبح الأخير في العام ٢٠٠٥ رئيساً للعراق بعد الغزو.
لا شك أن الجانب الإيراني لديه مخاوف كبيرة من الأكراد، لأنّهم يشكّلون جزءاً معتبراً من القوميات المختلفة الموجودة في إيران، ولأن لديهم الحافز والدافع دوماً للبحث عن حيّزهم الخاص. فعدا عن كون غالبيتهم تنتمي الى المذهب السنّي، فإن اوّل إعلان لقيام دولة كردية في المنطقة ــ جمهورية ماهاباد ــ تمّ في إيران وليس في أي دولة إقليمية أخرى، وهو أمر له رمزيته ودلالاته، ولذلك يخشى النظام الإيراني من أن يكون المتضرّر الحقيقي الأول من توسع المشروع الانفصالي الكردي في المنطقة. هذه كلها مخاوف حقيقية.
لكن في المقابل، ورغم خشية إيران من هذه المعطيات، فإن العلاقة بين النظام الايراني والميليشيات الكردية في البلدان المجاورة علاقة أكثر تعقيداً، وتتجاوز هذا التوصيف ولا تخضع له. حالة مدينة عفرين في سوريا، على سبيل المثال لا الحصر، تعدّ نموذجاً لطبيعة العلاقة بين النظام الإيراني والميليشيات الكرديّة.

الدوافع الإيرانية
مع انطلاق عملية غصن الزيتون التركيّة لتطهير مدينة عفرين من الميليشيات الكردية، في الثلث الأخير من شهر يناير الماضي، سجّلت التقارير تواصل النظام الإيراني مع الميليشيات الكردية لعقد اتّفاق بينها وبين نظام الأسد. ولعل البعض يتساءل عن جدوى مثل هذا التواصل أو عن الفوائد المرجوّة من وراء تسهيل مثل هذا الاتفاق، في ظل الظروف الإقليمية والعلاقة الإيرانية - التركية أخيراً، أو ربما ينفي وجود مصلحة إيرانية من وراء ذلك، إلا أنّ دوافع طهران للقيام بمثل هذه الخطوة متعددة، لعل أهمّها:
أولاً، طهران تتابع الدعم الأميركي للميليشيات الكرديّة عن كثب، ولذلك فهي تحاول أن تبقى على تواصل معها لعلّ ذلك يفيدها في مرحلة لاحقة، ويعمل على تخفيف التأثير الأميركي على هذه الميليشيات، أو ربما يفتح نافذة إلى استغلالها إذا ما سنحت الظروف.
ثانياً، إيران تريد أيضاً التحوّط من إمكانية تحوّل الميليشيات الكرديّة إلى قوّة عسكريّة تهدد أمنها من خلال نقل خبرات أو أسلحة أو مقاتلين إلى داخل إيران. ولذلك، فهي تحاول أن تحيّد نفسها من الاستهداف المحتمل مستقبلاً من خلال الإبقاء على علاقة معهم.
ثالثاً: تريد طهران استخدام هذه الميليشيات لعرقلة تقدّم تركيا في العمق السوري، وجعل العملية أصعب وأكثر تكلفة. فهي لا تريد أن ترى تزايداً للنفوذ الإقليمي للمنافس التركي على الساحة السورية، ولا شك في أنّ أفضل طريقة لذلك هي رفع تكلفة التدخلات التركية.

أسلحة إيرانية
وقد ظهرت عدّة مؤشرات تؤكّد صحّة هذه الاستدلالات، لعل أبرزها الصور والفيديوهات التي أثبتت في عدّة حالات أنّ الميليشيات الكردية في عفرين تستخدم أسلحة إيرانية الصنع كعربة سفير، وهي جيب رباعي الدفع متعدد المهام إيراني الصنع، ولم يستخدمه في سوريا إلا الجانب الإيراني وميليشياته، ويُعتقد أنّ الميليشيات الكردية حصلت عليها من خلال الميليشيات التابعة لإيران.
أضف إلى ذلك أنّ بعض التقارير أشارت الى استخدام YPG قذائف إيرانية الصنع من عيار 107 ملم، والبعض تحدّث عن استخدام صواريخ موجّهة مضادة للدروع من نوع «طوفان»، وهي نسخة إيرانية عن «تاو» الأميركي. كما تمّ تسجيل اشتباكات بين القوات التركية ضمن عملية درع الفرات وبين ميليشيات شيعية موالية لإيران على حدود عفرين، ويعتقد بأنّها جاءت من نبّل والزهراء لمنع تقدّم الأتراك أو رسم حدود نطاق حدودهم الجغرافية داخل منطقة العمليات التي يتم فيها تنفيذ العملية.
هذه الدلائل تؤكّد بما لا يدع مجالاً للشك أنّه ما كان لهذه الأمور أن تتم لولا وجود ضوء أخضر إيراني، والأهم وجود علاقة بين النظام الإيراني والميليشيات الكردية في سوريا.

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات