بكفه الصغيرة يمسك زجاجة العطر، يشم رائحتها فتلتبس بصدقه ونقاوته التي لم تطلها يد السنوات بعد، ويقول: «والله حلو»، يكررها وهو يغمض عينيه، لم يكن يملأ رئتيه بذلك العطر، بل كان يعانقه.
إن الطفولة أحد أوجه الجمال، وربما تكون أشدها صدقاً، فالدهشة حقيقية، والإعجاب حقيقي، والحب خالص، لا زيف فيه، والعطاء لا يمسه رياء، إنها المرحلة التي نعيشها بكامل حقيقتنا، فنمارس بها فطرتنا من دون قيود أو تكلف، ومن دون تفقد أعين المتربصين بأخطائنا وهفواتنا.
فالطفل قادر على ممارسة الخير أكثر وبمصداقية أكبر، تجده ينجذب وينفر من دون مبالاة برقيب، ويمد كفه الصغيرة نحو الاتجاه الذي يريد من دون أن يحسب كم عيناً ستلتقط له تلك الصورة وتقيّم فعله.
إذا كنت تحظى بوجود ملاك صغير فلا تنشغل بتعليمه، بقدر ما يجب أن تنتبه له، لأنك قد تجد به جزءك المفقود، نعم الأطفال يتعلمون من الكبار، لكن ماذا لو تعلم الكبار من الصغار لأصبح الجزء الأكبر من ذلك القلب، الذي نحمله، كسحابة بيضاء، إن لم تمطر لتروي وتشبع، سوف ترافق أحبتها لتظلهم، فالطفولة تجعلك أكثر رحابة وحرية، تجعلك قادراً على فتح ذراعيك للعالم وليس لمرحلة معينة أو لقبول شخص واحد فقط.
لذا وجب علينا أن نتعلم من الأطفال قبل أن نملأ جوفهم بعقدنا ومعتقداتنا، التي ربما تكون قد تركت آثارها المدمرة على مراحل من حياتنا، فمن لديه طفل فليجعل منه معلماً له في نسيان الأخطاء التي تسبب بها الآخرون، فمعلمه مدرسة في إعطاء الفرص، وجدير بخلق البدايات الجديدة، والاستمرار بالمحاولات التي تصل به لما يصبو إليه، وبدلاً من أن يجر طفله نحو الشك بهذا العالم، والحذر ممن يعيشون فيه، فليصادقه ويمسك بكفه، ويسير معه، لأن ذلك الصغير سيصل به إلى كل ما أفقدته إياه سنواته وتجاربه.
الطفولة هي المرحلة التي عشناها بكامل حقيقتنا وصدقنا الذي تخلينا عنه كي نجاري شيئاً مفروضاً على هذا الواقع، فلنعد معهم إلى تلك العفوية ولنأخذ منهم معنى الحب.

أنفال عبدالباسط الكندري

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات