توقفت دقات بيغ بن، قلب لندن، وبعدها بأيام توقفت دقات قلبك.
قلب لندن سيعود الى الخفقان بعد أربع سنوات، لكن قلبك الكبير، الذي اتسع لحب كل من عرفك أو التقى بك لن يخفق مجددا.
تلك إرادة الله جل في علاه، وذلك قضاؤوه ولا راد له، ونحن بذلك مؤمنون مسلمون، لكنه البعد والفراق يا «عم».
«عم حسني».. مضى يا رفاق.. رحل دون وداع..، ختم مسيرة عطائه وبدأ رحلته الأخيرة في ما بعد الحياة، قنصه المرض اللعين الذي تسلل بصمت وخبث إلى جسده. «عم حسني» كما تعودنا، نحن أصدقاءه ومحبيه، أن نناديه دوما، لن يستقبلنا في زياراتنا إلى لندن بعد الآن، لن يكون معنا لقهوة وإفطار صباحي يصر على ان يصحبنا إليه عند السابعة صباحا في كل زيارة إلى لندن أو توقف فيها. لندن لن تعود لندن التي عرفناها بوجودك.
كانت بيغ بن وستبقى معلماً بارزاً للندن، أما «عم حسني» فكان معلماً عربياً في لندن، رحل ولن يعود كم هي صعبة الكتابة عن شخص بمثل نشاطه وإنتاجه، رجل كان العقد الثامن من عمره يوشك أن يدق بابه قبل أن يعاجله القدر بضربته القاضية، لكنه امتلك من الحيوية والطاقة ما يحسده عليه شباب ورجال في مقتبل العمر. وإذا سألت عنه من عرفه من الكويتيين والعرب في لندن لما توقف عن كيل المديح له. هو كان ناصحاً وخدوماً وموجهاً، لم يتوان يوماً عن مد يد العون أو النصح أو المساعدة لأحد، كان الخبير بالدهاليز البريطانية واللندنية تحديداً، قضى عمراً في عاصمة الضباب جعله يتشرب عادات وتقاليد ارستقراطيتها. تنظر الى مظهره فترى شخصاً من النخبة، هو كان كذلك في مظهره وملبسه ومشيته. حتى صلعته التي كان يتفنن في محاولة إخفائها بخصلة الشعر الوحيدة المتبقية في رأسه، تارة ينقلها عبر صلعته من اليمين إلى اليسار، وتارة أخرى من اليسار إلى اليمين، كانت تميزه. غيرت لندن كل شيء في «عم حسني» الذي وصلها من أوروبا الشرقية في أواخر ستينات القرن الماضي، إلا لكنته، ظل يتحدث الإنكليزية بلكنته المصرية المحببة.
عرفت «عم حسني» منذ بدأ عمله مراسلا لوكالة الانباء الكويتية (كونا) في لندن عام 1981. كان مدير المكتب وقتها البريطاني جون ايفانز، وكان يتعامل باستعلاء وفوقية مع المقر الرئيسي في الكويت. كانت كونا في بداياتها وكان المدير البريطاني يعتبرنا كما يبدو مبتدئين في الصحافة، بحاجة إلى دروس ومواعظ منه، كان مكتب لندن أول مكتب لكونا في عاصمة غربية كبرى. بعد أن ازدادت الملاحظات السلبية على أداء ايفانز ارتأى مدير عام كونا وقتها، الراحل الكبير برجس البرجس، أن الوقت حان كي يكون المكتب في عاصمة الإمبراطورية التي استعمرت العالم في عهدة من يكون مؤتمناً على القضايا العربية وقضايا العدالة الإنسانية وقتها، فكان أن قرر تسليم قيادة المكتب إلى «عم حسني» في عام 1983. كان ذلك أبلغ رد على مقولة عجز العرب أمام العنصر الغربي المتفوق. فها هي مؤسسة إعلامية لواحدة من أصغر الدول العربية، استقلت قبل 20 عاماً فقط عن الحماية البريطانية، تؤسس حضوراً صحافياً وإعلامياً، مؤثراً وقوياً في قلب الإمبراطورية الاستعمارية السابقة. فاق دور الكويت السياسي في حقبتي السبعينات والثمانينات من القرن الماضي حجمها بمراحل. وحضر الدور الكويتي بكل قوة وتأثير في كل المؤتمرات الإقليمية والدولية دفاعاً عن حقوق العرب وقضيتهم الأساسية والرئيسية وقتها، فلسطين.
لعب الساسة والدبلوماسيون الكويتيون وعلى رأسهم عميد الدبلوماسية العربية وقتها، الشيخ صباح الأحمد أدواراً فاعلة ومؤثرة في جمع الكلمة ورأب التصدعات في العلاقات بين دول المجموعة العربية. وكانت حركتهم دؤوبة ومستمرة، ما تطلب حضوراً كويتياً إعلامياً مؤثراً يواكب هذه الحركة النشطة ويتابع نقل منجزاتها للرأي العام المحلي والعربي والدولي. ومن رحم هذه الحقيقة ولدت كونا وحظيت بالدعم الكبير ما مكنها من ترسيخ أقدامها والانتشار والتوسع والتأثير في فترة زمنية قياسية.
أحب «عم حسني» بريطانيا لكنه كره سياستها تجاه القضية الفلسطينية تحديداً، كان مؤمنا حتى النخاع بالديموقراطية الإنكليزية العريقة. وفي حواراتنا كان يعتبر أنها ربما الديموقراطية الحقيقية الوحيدة والفريدة في العالم.
لكنني ما عرفت «عم حسني» حقاًَ، ولا خبرت حقيقته، إلا عندما ضرب الزلزال المدمر الوطن العربي بعد أن أرسل صدام حسين جيوشه لتحتل الكويت في مثل هذا الشهر من 27 عاماً.
أذكر تماماً ردة فعله عندما التقيته في مكتب لندن يوم التاسع من أغسطس عام 1990. كنت قد وصلت فجراًَ من واشنطن بناء على استدعاء من أبي خالد البرجس للعمل مع فريق بشري جرى تجميعه على عجل من أجل إعادة إطلاق الانباء الكويتية من مقر مؤقت في العاصمة البريطانية. عانقني طويلاً، ثم انهار على كرسيه: العالم الذي عرفناه انتهى ولن يعود، قال لي. ثم تابع مباشرة: وفلسطين الخاسر الأكبر.
وإذا كان هناك من نموذج او تعريف للفوضى المنظمة فإنه «عم حسني». كان مكتب كونا في لندن على صغر مساحته مكتظاً بالصحف والأوراق والأجهزة القديمة، وكان هو الوحيد القادر على أن يعثر وسط كل تلك الفوضى على ما يبحث عنه. كان ينهانا بلطف وأدب إن أقدمنا على تحريك ورقة أو قطعة أثاث، إلى أن فرض الأمر الواقع نفسه عليه بتوافد العديد من العاملين الجدد إلى لندن ما استدعى بالضرورة إعادة ترتيب وتنظيم شاملة للمكتب وما فيه.
الأيام والشهور التي أعقبت ذلك كانت حافلة بالأحداث والتطورات، كان هدف الاحتلال القضاء على الوطن والهوية، وكانت وسيلته في ذلك تزوير الحقائق والتغني بشعارات ثورية استعملت نكبة فلسطين مدخلاً لتبرير احتلال دولة عربية لدولة عربية أخرى. وكان ربط الانسحاب العراقي من الكويت بانسحاب إسرائيل من الأراضي الفلسطينية والعربية المحتلة ربطاً ساذجاً هدفه تمييع المطالبات الدولية بانسحاب عراقي كامل وشامل وغير مشروط، ومحاولة لشق الاجماع الدولي على هذا الانسحاب. لذا كان المنهج الذي تم تبنيه في العمل الصحافي والإعلامي لكونا منذ البداية، هو التركيز على ابراز الهوية الوطنية الكويتية وتميزها، لجهة التعددية والحرية والديموقراطية التي اتسم بها الكيان السياسي الكويتي الحديث منذ نشأته، إضافة إلى تمسك الكويتيين تحت الاحتلال بالشرعية الدستورية ورفضهم المطلق للاحتلال ومقاومتهم الباسلة له، عملت كونا من لندن، وعلى مدار الساعة، من أجل أن تبقى الكويت حاضرة في ضمائر وقلوب العالم، وكان «عم حسني» الدينامو الذي مكن الفريق من العمل والإنتاج، لأنه كان ببساطة حلال مشاكله.
فبالإضافة إلى دوره الصحافي والإعلامي، تكفل «عم حسني» بكل الأمور اللوجستية الخاصة بالفريق، من مساعدة أعضائه على استئجار أماكن لسكناهم، أو إلحاق أبنائهم بالمدارس، إلى متابعة أمور تصاريح إقامتهم، ذلل «عم حسني» العوائق والعقبات عن طريق الفريق، ما جعله قادراً على العمل والإنتاج والابداع.
طلب أبو خالد البرجس من «عم حسني» متابعة كل الأمور الخاصة بالعاملين الذين التحقوا بمكتب لندن، ومنهم من لم تطأ قدماه عاصمة غربية من قبل، فلعب «عم حسني» دوراً محورياً في تمكين هؤلاء من الاستقرار العائلي والنفسي ومن ثم التمكن من العمل والإنتاج، وكان ذلك على حساب وقته وراحته، ورافق «عم حسني» أبو خالد البرجس في جميع اللقاءات والاجتماعات التي أجراها مع مسؤولين بريطانيين وأجانب في بريطانيا وخارجها، وائتمنه أبو خالد على أدق الأسرار.
كان لــ «عم حسني» قرون استشعار ترصد بدقة الحالة النفسية لأبي خالد البرجس الذي استشعر كما كثيرين منا الأبعاد الحقيقية للمأساة التي ارتكبها صدام، لكن بالنسبة لأبي خالد كان لهذه المأساة بعد آخر وشخصي، كان البرجس فخوراً بفريق العمل الذي بنى معه كونا في الكويت، وكان يثق في أفراده ثقة لا حدود لها، لذا، فعندما جاءته الأنباء بأن بعض هؤلاء العاملين تعاونوا مع الاحتلال، كانت كمن طعنه في ظهره، حمل أبو خالد نفسه المسؤولية عما قام به هؤلاء، ذلك أنه هو من اختارهم ووثق بهم كما قال، وهنا لعب «عم حسني» دوره، قال له إنهم من يتحملون مسؤولية ما قاموا به، وأنه كما اختارهم، فإنه اختار ايضاً الغالبية الاخرى التي رفضت التعامل مع الاحتلال، وأيضاً تلك المجموعة التي تمكنت من الالتحاق به في لندن.
أدمن أبو خالد البرجس على رياضة المشي السريع بعد تعافيه من نوبة قلبية دهمته قبل أربع سنوات تقريباً، وكان يقطع يومياً المسافة بين منزله اللندني ومكتب كونا في Southampton raw في حوالي ساعة أو أكثر قليلاً، وكان بعضنا يرافقه فيها أحياناً، لكن «عم حسني» كان رفيقه الدائم في هذه الرحلة اليومية، وكانت فرصة لمناقشة الكثير من الأمور.
أتذكر لحظة إعلان تحرير الكويت يا صديقي؟ كيف قفزت قلوبنا من صدورنا قبل أن نقفز من مقاعدنا في قاعة التحرير الصغيرة يعانق بعضنا بعضاً والدموع تلمع في العيون، وعندما جاء الخبر الأول من مراسلي كونا في السعودية ومرت الثواني والدقائق قاتلة، ونحن ننتظر تأكيدا للخبر من مصدر آخر، إلى أن أعلنت وكالتا رويترز والفرنسية النبأ بعد دقائق، وبعدهما سي أن أن وبقية الإعلام.
في لقائنا الأخير في يناير الماضي، تحدثنا طويلاً عن ضرورة توثيق المسيرة الإعلامية لوكالة الأنباء الكويتية، خاصة في مرحلة الغزو، واتفقنا على متابعة الموضوع من ذوي الشأن والمهتمين، لكن القدر عاجلك بضربته فرحلت دون إكمال الحلم أو حتى إعداد خطته، وعدتك أيضاً بزيارة أطول نلعب فيها للمرة الأولى دور السياح، نتعرف الى بريطانيا التي أحببتها فأعطتك ما أعطتك. «لا كرامة لنبي في وطنه»، هكذا قيل قديماً، وهذا ما ينطبق على حالك أيها الراحل الكبير وحال الآلاف غيرك.
لا أكتب في رثائك فأنت بالنسبة لي ستبقى حاضرا بعطائك وقيمك وأخلاقك وصداقتك وأخوتك، لكن أكتب كي يعرف الناس، ومنهم ربما من عرفك والتقى بك، النزر اليسير مما قمت به خلال مسيرة حياتك الطويلة. عزائي وعزاء الجميع في أن مسيرتك وصورتك ستبقيان حاضرتين في أذهان كل من خَبُر صدق معدنك ونقاء سريرتك وطهارة قلبك. نم قرير العين يا «عم حسني» فستبقى نعم الأخ والصديق والرفيق لجميع أحبائك. أما مشروع توثيق المسيرة، فإني على ثقة تامة بأن هناك من المهتمين من سيتابعه، لأنه جزء لا يتجزأ من تاريخ الوطن الذي يجب أن يرصد ويدرس للأجيال القادمة.
فلتعد القلم الذي حاربت به كل معاركك الصحافية إلى غمده، ونم قرير العين فقد حان وقت الراحة في كنف العادل الجبار، أما نحن فسنظل نستذكر أيامنا معك إلى أن نلحق بك. وفي رحيلك ليس أبلغ مما قال الشاعر أحمد أبو رحاب:
.. فارحل هنيئاً ضاحكاً مستبشراً
واذهب سعيداً ولتدع لقلوبنا نحن النواح..

المستشار الإعلامي
عدلي رياض بسيسو

 

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات