حديث لا ينتهي، يُستدل به على آيات قرآنية وأحاديث نبوية حين يكون النقاش حول أداتي التمويل - التقليدي و«الإسلامي». أضعها مُقبسة لشكّي بمدى أحقيتها في وصفها بمسمى ديننا الحنيف. لست بذاك المطلع على الشرع، ولكنني أثق بجدوى شكوكي حينما يتعلّق الأمر بالتحليل الاقتصادي. شكوك تكون حجر أساس لبداية مشوار في البحث.
أدوات ثابتة أسسها، يُستدل على جدواها وصحتها بنص يفسر آيات وأحاديث لا تتجدد. فلا خلاف على ما ثبت من جدوى وإجازة إن كان المال ذاته لم يتغير. ولكن، مال يوم قبل الأمس كان ذهباً والطبيعة تحكم ندرته. ومال الأمس كان ورقاً مقترناً بذاك الذهب الذي ما زال لا حكم إلا للطبيعة بندرته. أما مال اليوم، فهو ورق مقترن بعرض وطلب يحكمان قيمته، متذبذبين تحكمهما فائدة لم ولن ولا تجاز في ديننا. فتعزيز قيمة النقد تأتي جراء ندرته التي يصنعها ارتفاع الفائدة. أما خفض الفائدة فهو وسيلة لزيادة التدفق النقدي بين الناس إن كان هذا النقد نادراً جداً. نرفعها تارة ونخفضها تارة أخرى بناء على معطيات السوق ومدى أريحية كل من يستخدم هذا النقد. لم تعد الندرة محكومة بما هو آتٍ من الطبيعة، بل أصبحت محكومة بقرارات من صنع بشر تحتمل الصواب والخطأ.
أيجب أن نستدل على ذات نص التفسير لتلك الآيات والأحاديث حتى وإن تغيّر هذا المال منذ «نكسن شُك»؟ أيجب أن نستدل عليها ونحن على يقين بأن الفائدة متغلغلة في جميع تعاملات النظام المالي لا على صعيد الأفراد فقط، بل على صعيد المؤسسات التمويلية والمركزية؟ أيجب أن نستدل عليها ونحن نعلم أن تلك الأدوات - تقليدية كانت أم «إسلامية» - تسهم في تعزيز القيمة الزمنية للمال، والتي تزيد من ثراء الثري، ومن فقر الفقير؟ عُرفت بالقيمة الزمنية وما هي إلا ربا عرفناه منذ الصغر، يكون هو أساس لمبادئ التمويل الذي يُدرس في كل جامعة اليوم!
لا شك في أن ما يعرف بالتمويل «الإسلامي» يعتبر أقل قسوة على من اقترض، متحاشياً به ذبذبة الفائدة في التمويل التقليدي. لكن هل هذا الشيء كفيل بوصفه باسم الإسلام؟ اختلفت المعطيات والبنية الأساسية لمال اليوم. واختلفت الأنظمة المالية وانقلبت رأساً على عقب. فبأي نص وجب الاستدلال؟ فمال اليوم ورق لا قيمة سلعية له، ومال الغد قد تراه «بت كوين» أو ما يعرف بالعملة الإلكترونية. فهل سنعتبر ذات النص الذي شرع أدوات تمويلية بما هو نادر من الطبيعة مع بما هو نادر ورقياً أو إلكترونياً، ومن صنع البشر؟!
أحان الوقت لتغيير وصف هذا التمويل لكي لا يكون ترويجاً لأداة باسم دين الأمة؟ وإن ثبتت إجازته اليوم، فما الذي يؤكد عدم إثبات بطلانها مستقبلاً، وهل يتفق عليه؟ فيا للريبة وأصبحت أستشف رأي الناس وهم يرون هذا الترويج أشبه بترويج جماعة إرهابية أطلقت على نفسها «الدولة الإسلامية في العراق والشام»!

عبدالله بن سالم السلوم
alsalloumabdul@alqabas.com
abdullah.com.kw

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات