بعد قتال ضار وتقابلي إلى حد الأمتار القليلة، وحرب شوارع ناسفة وتفجيرية، لم تماثلها حروب المدن على مدى التاريخ، بشهادة خبراء الحروب في العالم، دامت ما يُقارب التسعة أشهر، تكللت معركة استعادة الموصل بالانتصار الحاسم على التنظيم الإرهابي داعش، الذي قاتل عناصره، خصوصاً الإنغماسيين والإنغماسيات، بخيار شمشون أو أسلوب الانتحار التفجيري، حيث واجهت القوات العراقية أثناء اقتحامها للأزقة والبيوت في الجانب الأيمن من الموصل أجساداً بشرية تنفجر أمامها، مما عرقل كثيراً من اندفاع وتقدم هذه القوات، في مراحل عدة من هذه المعركة، التي أكدت أن جيش (جهاز) مكافحة الإرهاب العراقي هو أفضل الجيوش في الشرق الأوسط في هكذا نمط من الحروب، حسبما وصفه معهد الدراسات العسكرية في واشنطن!
لهذا كان العاشر من الشهر الجاري ليس تاريخاً عادياً في إعلان الانتصار باستعادة ثاني أكبر المدن العراقية وحسب، وإنما صفحة مشجعة ومتصاعدة في سلسلة انهيارات داعش، لا سيما أن لهذا التنظيم الإرهابي وجوداً في مدن عراقية أخرى ما زال يسيطر عليها حتى كتابة هذه السطور، مثل مدينة تلعفر التابعة للموصل، وهي من المدن الرئيسة في المحافظة المذكورة، خصوصاً بموقعها الجغرافي في شمال غرب العراق والمحاددة لسوريا، وكذلك في مدن غرب العراق: القائم وراوة وعانة، ناهيك عن عاصمة التنظيم البديلة للموصل، مدينة الحويجة وتوابعها من البلدات والنواحي، والتابعة لمحافظة كركوك، وكذلك هناك وجود لهذا التنظيم في محافظة ديالى، لا سيما في جبال حمرين والقرى والبساتين، بالإضافة إلى جيوبه في قرى ومزارع محافظة صلاح الدين، التي كانت منطلقاً لهجماته الأخيرة على مدينتي تكريت وسامراء.
إن استعادة الموصل من الناحية السلبية ستكون مؤثرة بلا شك على داعش في سوريا، إذ ستضاعف من انهياراته وتُسرع من وتيرتها، خصوصاً في عاصمته السورية مدينة الرقة، والمحاصرة من قبل الوحدات الكردية، علماً بأن الرقة لا يمكن مقارنتها بالموصل، بالنسبة لجغرافيتها وطبيعة موقعها، فهي مدينة مفتوحة، ولا توجد فيها معوقات طبيعية أو عمرانية وكثافة بشرية، كما هي حال الموصل!
لذلك، إن ما بعد الموصل ليس مثل ما قبل الموصل، فهناك معطيات سياسية وعسكرية تستوجب تغييراً على الأرض، خصوصاً أن الأكراد في العراق يشحذون الهمة للانفصال، وهو أمر ترفضه الحكومة العراقية حتى هذا الوقت!

عبدالزهرة الركابي
ml.him@hotmail.com

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات