عندما تسقط ورقة أحدهم في أيدينا ونضطر إلى تقبيلها ودفنها، ونقبل بتوديعه ورحيله، هل نمسك برماد الذكريات أم نجعل من ذلك الموت.. حياة؟
قد يضطرنا القدر إلى توديع أحبابنا، ولكنه لم يضطرنا لأن نبقى بأبداننا تاركين أرواحنا معلّقة على أبواب السماء راجية اللحاق بمن سبقونا!
الموت ليس سارقاً يخطف منا قلوبنا وهو ليس بغادر، بل إنه زائر قد بلغنا بقدومه، ولكن مهما ذكرنا به نعود ونتجاهل أمره، الغريب أننا نلقي بلومنا عليه وندفع عن أنفسنا الإحساس بالذنب والتقصير تجاه من رحلوا، والأغرب أننا نحيي سيرة ميتنا ونتجاهل أمر أحيائنا.. وكأن الرحيل هو من يشعل فتيل الحب لمن مُلئت حياتنا بهم!
هل من الصعب أن نعيد حساباتنا ونلتفت إلى قصورنا تجاه من أبقتهم أقدارهم بيننا؟!
عندما يمد الموت يده وينتزع أحداً من أحبتنا تخر قوانا فيظهر مدى إيماننا وصبرنا، منا من يفتح عينه على تقصيره مع نفسه وأهله، ثم يعالج نفسه بضمهم إلى قلبه وأخذ أنفاسه من صدورهم، ويضع صورة نهايته كحكم بينه وبين كل ما تأتي به دنياه، ومنا من يسد قلبه بوجه قبول قضاء الله أو أنه يقبل بالفاجعة في غيره وكأنه قد عفي منها، فيمضي في الحياة وكأنه قد بلغ بخلوده، فلا هو الذي يتعظ ولا هو الذي يحسن إلى ميته.
إن موت أحبائنا ليس عقاباً، بل تذكير لنا بأن هناك حياة أخرى فلا تجزعوا بهذا الفقد، بل احرصوا على ما بين أيديكم وتمسكوا بالحياة التي خلقتم من أجلها، فالموت لا يقابل بالعزلة، بل بالتواصل والتودد والتراحم في ما بينكم، اذكروا موتاكم بالأعمال التي ترفع من حسناتهم، وكفوا عن النظر في عين من تبقوا بخوف وأنتم ترددون في أنفسكم «الفقد ينظر إليك».
أقبلوا على أيامكم بحب.. وأما الأقدار، فإن لها رباً يدبرها، والباقون منكم أولى بكم ممن رحلوا، ولأهل القبور حق بدعواتكم وبذكر جميل ما صنعوا، واخلقوا من كل موت حياة تقربكم من أحبائكم، فربما يكون ذلك الموت ضيفاً بعث ليخفف عنكم وزركم، ويذكركم بأنها دار عبور، فامضوا على جسرها بما فطرتم عليه كي تجزوا بعد الموت بحياة طيبة.
أنفال عبدالباسط الكندري

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات