انك امرؤ فيك جاهلية... من قائل هذه العبارة؟ ولمن قيلت؟ ومتى قيلت؟! وإلى أي مدى تعتبر كلمة «جاهلية» وصفا مذموما ومحظورا؟
شتم الصحابي الجليل ابو ذر سيدنا بلالاً الحبشي قائلا له: يا ابن السوداء، فجاء التوبيخ الحازم غير المداهن من سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بإعلان صادح: يا أبا ذر، يا أبا ذر، يا أبا ذر إنك امرؤ فيك جاهلية، فكان رد فعل سيدنا أبي ذر مميزا وسريعا تأديبا لنفسه وترويضا لها أولا، واعتذارا وإنابة ثانية، فوضع خده على الأرض وأقسم ان لا يرفع خده حتى يطأ سيدنا بلال وجهه. يا الهى ما أعظم هذا المشهد، وهذه الحادثة التي لا أتوقف عن التفكر والتأثر بها.
الاسلام جاء ليخرج الناس من ظلمات الجاهلية التي بينها رسولنا في هذا المشهد بأنها العنصرية والتعصب، فمهما بلغ المسلم من التقوى والعبادة فإن وجود العصبية والعنصرية مؤشر على ان الجاهلية مازالت موجودة في قلبه.
إن أعظم غاية جاء الاسلام لتحقيقها هي اسعاد الانسان في الدنيا والآخرة، ولن يتحقق ذلك الا عندما يكون الانسان محررا من أي عبودية الا لله عز وجل، والا يشعر أي انسان بأنّ أحدهم سلبه الكرامة أو الإرادة فهو عبدٌ لله لا لغيره.
الجاهلية مشتقة من الجهل، وهي ليست نقص العلم والدين والحضارة، وانما هي ازدراء الإنسان وتحقيره، نحن نعلم ان الروم مثلا حينما وصلت الى قمة حضارتها كانت في أحط مستويات الاهانة للإنسان فقد كانوا يطلقون الأسود الجائعة على العبيد كمسابقة لأفضل عبد وبعد أن يفترس الأسد ذلك الإنسان ينشرون عطر الورد لتعطير المكان بعد رائحة الدم المنتشرة ثم يتقدمون الى مأدبتهم يتناولون الطعام وكأن شيئا لم يكن!
إن أدنى مستوى من الانحطاط والجهل أن يظن الإنسان أنه أفضل من أخيه الإنسان، حتى في التقوى فهذه الأفضلية لا يعلمها الا الله العالم بالنفوس المطّلع على القلوب.
كان ابو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعبدالرحمن بن عوف يجلسون وبجوارهم بلال الحبشي وسلمان الفارسي وصهيب الرومي والخباب بن الأرت رضي الله عنهم جميعاً ولسان حالهم التواضع ولم يشعروا بالتمييز والتعالي، وفي المقابل ايضاً نجد أن بلالاً وصهيباً وخباباً وسلمان هم أنفسهم لا يشعرون بالدونية أو يتحسسون من هذا التفاوت، لأنهم أيقنوا جميعهم انهم على مستوى واحد، ودرجة واحدة، وهي العبودية لله عز وجل فكلهم مخلوقون عبيد لربهم، رسخ ذلك في ضمائرهم ووجدانهم.
«أبدعوى الجاهلية وانا بين أظهركم؟» هنا يعلنها رسولنا صلى الله عليه وسلم ان التنادي بالانتماءات والعصبية هي دعوى جاهلية، وكان ذلك حينما حسد يهودي ما رآه من ألفة وصدق إيمان وتطور في مجتمع المدينة فأراد أن يعيدهم الى التفكك والعنصرية والتحزب فأوغر بينهم وأعاد نبش العصبيات بينهم وتثاوروا ونادوا بشعارهم، وكاد ان ينجح في ذلك لولا تذكيرهم بالله وبالقرآن وبتذكير رسولهم بأن هذا من تصرفات الجاهلية وإنها نداءات الجاهلية فعادوا الى التآلف مرة أخرى، انها فعلا دعوى الجاهلية وتصرف جاهلي يتنافى مع الدين والانسانية.
ليس هناك مجتمع ثالث هما مجتمعان اثنان، إما مدني أو جاهلي، مجتمع مدني يراعي حقوق الإنسان ويكفل له حرية الاعتقاد والرأي ويعيش في كنفه كريماً عزيزاً، وقد أثنى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم على ملك الحبشة فقال «لو خرجتمْ إلى أرضِ الحبشةِ فإنَّ بها مَلِكًا لا يُظلمُ عندَه أَحَدٌ» وطلب من صحابته المؤمنين حينما لاقوا الاضطهاد والقمع في مجتمعهم ومن عشيرتهم أن يلجأوا ويفروا بدينهم اليه.
وما كانت الفتوحات تتجه الى الفرس والروم الا لإنقاذ البشر من مجتمع جاهلي يحجر على العقول ويصادر الحريات ويستبد بالاعتقاد والآراء ولا يريهم الا ما يرى لذلك كانت أولى مهمات الرسول صلى الله عليه وسلم هي تحرير العقول من الطغاة فقال «خلوا بيني وبين الناس» ومازالت الكلمة الرائعة لذلك الصحابي الجليل ربعي بن عامر: «إن الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضِيق الدنيا إلى سعَتَها، ومن جَوْر الأديان إلى عدل الإِسلام» فهي أجمل تلخيص لرسالة الاسلام الخالدة.

سعاد أحمد الدبوس

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات