جاءنا الضيف الكريم شهر رمضان المبارك، حيث يتصالح المسلم الصائم مع نفسه، وتركن روحه للسكينة، ويستشعر نعم الله عليه، بما أفاء عليه من الإيمان والعافية وإطالة العمر حتى بلوغ الإنسان هذه الأيام الفضيلة مرة أخرى في حياته، ليغنم منها الأجر، ويتعلم الصبر، ويكثر من الذكر، ويحس بمعاناة أهل الفاقة والفقر.
يتسابق المسلمون للطاعات في هذا الشهر الفضيل، فمقل ومستكثر، بعضهم يتأسى بالنبي الكريم في العطاء والصدقة، حيث كان «كالريح المرسلة» في الإنفاق والبذل، ويعطي عطاء من لا يخشى الفقر صلى الله عليه وسلّم، وبعضهم يحرص على قيام الليل والتراويح، فلا تفوته ليلة متنقلاً بين بيوت الله، وبعضهم ينكب على مصحفه فيختم كلام الله تعالى مرتين وثلاثاً وأربعاً وأكثر وهو مقبل عليه، وآخرون يستمتعون بصلة الرحم، فيعيدون إحياء الصلات التي كادت أن تتقطع، ومنهم من يعتمر أو يعتكف أو يزور المسجد النبوي، فيصلي فيه ما شاء، وهكذا يتخير المسلمون بين العبادات والخيرات في هذه الأيام، حتى لا تكاد تسعفهم الليالي لإتمامها، وما بين طرفة عين وأختها، إذ قال الناس عيدكم مبارك وقضى الشهر مدته..
وفي أيامنا هذه ونحن نتعلق بوسائل التواصل الاجتماعي الفاتنة، ينجرف البعض منا أحياناً وراء رغبة نفسه الخفية في إظهار عباداته، واستعجال ثناء الناس عليه، والرغبة في حصوله على مدحهم لطاعاته، فيقع بذلك في حفرة إبطال الأعمال وخسارة الأجر بالرياء، وربما الإثم، بسبب تعظيمه نظر الناس إليه، وهو يقوم بالعبادات الموجهة إلى رب العالمين.
بينما هو يعتمر وفي زي الإحرام مقابل الكعبة المشرفة يصور نفسه للملأ ليشهدوا على طوافه، وبينما هو في منزله يقرأ كلام الله تعالى يصور نفسه ليشهدوا تلاوته، وبينما هو متعرق وسط النهار يوزع المعونات للفقراء يصور نفسه ليشهدوا صدقته، وهكذا حتى يكاد ينسى هذا الفاعل للخيرات أن أعماله لله تعالى وليست للناس، وأن أجره وقبول عمله من الله تعالى وليس من الناس، وربما غرق في حب الشهرة، فيحزن إذا لم يتفاعل الناس مع صوره أو تفاعلوا مع أحد آخر بأكثر منه.. أتى أبو أمامة الباهلي ـــ رضي الله عنه ـــ على رجل في المسجد وهو ساجد يبكي ويدعو، فقال: «أنت أنت لو كان هذا في بيتك». فاللهم أصلح نياتنا وأعمالنا واغفر لنا تقصيرنا وزلاتنا، ومبارك عليكم الشهر الفضيل.
‏وليد عبدالله الغانم
waleedalghanim.com

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات