كلما مررت بجانبه وصلني همسه.. يناديني بقوة.. فرائحته المميزة، ومنظره المهيب يثيران الشجون ويشعلان الذكريات الجميلة، نعم أعرفك..أعرفك جدا.. وكيف لي أن أنساك وقد علقت ذرات روحي عندك، قضيت طفولتي ألعب على رمالك وأغوص في أعماقك وأصطاد من خيرك.
الحديث عن البحر لا ينتهي، وحكايتي معه لذيذة، وأعجب كثيراً من الشوق والحنين إليه، ما السر في ذلك؟!... إن ذاكرة الروح عجيبة، تجعلك تتعلق بالأماكن التي نشأت فيها، خصوصاً اذا كانت الروح لم يمض على اندماجها بالنفس مدة طويلة، وكانت النفس على فطرتها لم تعكرها مكدرات الدنيا، وكلما كانت الروح في صفائها كان أثر الأماكن والمعاني فيها راسخاً.. كشف لنا ربنا بعضاً من الغيب وعرّفنا عن أنفسنا في كتابه الكريم ومن هذا الغيب قوله تعالى: «وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا». يروي ابن عباس - رضي الله عنهما - حديثاً موقوفاً في تفسير هذه الآية:
أخذ اللهُ الميثاقَ من ظهرِ آدمَ بنُعْمانَ يعني عرفةَ فأخرج من صُلبِه كلَّ ذرِّيَّةٍ ذرأها، فنثرهم بين يدَيْه كالذَّرِّ ثمَّ كلَّمهم قبلًا.. أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ؟ قَالُوا: بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ..
وهذه هي الفطرة التي فطر الناس عليها، فطرة التوحيد، وهي في ذاكرة الروح مترسخة فيها، تبقى حية في قلب الإنسان لا ينساها أبدا الا اذا طمسها بذنوبه، تشتاق الروح للمكان الذي في ذاكرتها وتحن اليه وتهواه، وهذا ربما ما يجعلنا نشتاق إلى الحج والطواف حول البيت.
ان سياحة الأطفال في صغرهم والذهاب بهم للعمرة ولزيارة الأماكن المقدسة تجعل فطرة التوحيد متقدة في قلوبهم وتجعل حب الصالحين وفعل الخيرات في خواطرهم حية.
عندما كنا في عالم الذر وكلمنا ربنا وأخذ منا عهودنا تلاقت الأرواح وغمرها نور ربنا، وعندما أوجدها ربنا في الحياة وعمرت الروح الجسد تآلفت مع الأرواح التي قد التقت بها، التي حافظت على نور الفطرة الجميل الذي فطر الله الناس عليها قال تعالى: «فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ»
الروح من أمر ربي، فمعرفة أسرارها ومفاتيحها منه سبحانه، وانتعاشها وحيويتها باتصالها بخالقها وبتواصلها مع الأرواح التي تعارفت فيما بينها على طاعته سبحانه وعبادته.
تسمو الروح بصاحبها وترتقي كلما تسامت عن خبَث الماديات وعن زخرف الأرض الزائف وتزينت بطيب المعاني ومعالي الأخلاق والاهتمامات.
سعاد أحمد الدبوس

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات