صعوبة التقشف.. عقدة نفسية عند الكويتيين
مجد عثمان |

أشاعت الحكومة جواً من القلق لدى المواطنين عندما طلبت بشكل مباشر وغير مباشر التقشف وضبط الانفاق، لأن أسعار النفط انخفضت وتراجعت الايرادات. وحاولت الحكومة من خلال رفع أسعار البنزين واطلاق «رسائل» عن ترشيد الدعم المقدم، واقرار قانون زيادة تعرفة الكهرباء والماء، حاولت القول للمواطنين ان دولة الرفاهية انتهت، الا ان الناس واجهوا ذلك بغضب، وعبروا عن ضيقهم ورفضهم لتلك «الرسائل» الحكومية.
القبس حاولت أخذ آراء محللين نفسيين واجتماعيين لمعرفة أسباب رفض التقشف وللوقوف أيضاً على أسباب البذخ لدى البعض.

يرى استاذ علم النفس في جامعة الكويت والاستشاري النفسي والاجتماعي د. عدنان الشطي ان اسباب الانفاق الحالي التي يتجه فيها البعض الى المبالغة والاسراف في الصرف تكمن في ان «الكويتيين والخليجيين عموما كانوا في الماضي يعيشيون في بيئة فقيرة، تفتقر الى الاحتياجات الاساسية، وفجأة انتقلوا للعيش في بيئة حديثة بعد ظهور النفط، وهذا ما شكل لديهم رد فعل قويا في الانتقال بهوس نحو حياة الرفاهية، وابرز دليل المنازل والبيوت الفخمة المبالغ فيها لدى الكثيرين، مما يشير الى ان البعض وليس الكل لديه نوع من العقدة النفسية تجاه فقر الماضي، يضاف الى ذلك ان الكويتيين من الجيل الحالي والقادم يمكن اعتبارهم «شعبا مدللا» يأخذ اكثر مما يعطي.. وبالتالي كل ذلك له بعض الاثار السلبية على الاقتصاد والمواطنين، السبب الآخر ان لدى العديد من الخلجيين عموما فكرة خاطئة عن الضيافة والكرم تكمن في وضع مختلف انواع الاكل على طاولة الطعام، وبالتالي فإن ثقافة استهلاك الطعام في الايام الحالية تختلف عما كانت عليه في فترة الخمسينات، حيث كانت موائد البيوت تخلو من هذا البذخ في الاطعمة، وعلى الرغم من ذلك كان هناك شعور عام بالرضا، على عكس ما يقدم اليوم والذي يكفي اربعة اضعاف الاعداد الموجودة في الوليمة، ويتضح من ذلك الخلل النفسي الذي اصاب البعض.
من جهته يتفق الدكتور حسن الموسوي الاستشاري النفسي والاجتماعي مع الشطي قائلاً: «مع الوفرة المالية التي عشناها بعد ظهور النفط ثم فترة ما بعد فترة الغزو، اصبح هناك نوع من الهوس في الشراء والاقتناء والتغيير والتبديل، وهي سمة معروفة لدى الكويتيين، حيث يمعن البعض في عملية التجديد والتغيير في الماديات.. مثل الملابس والسيارات والالكترونيات والاثاث.



القدرة على التكيف
يؤكد الشطي قدرات الانسان في التكيف مع الظروف المعيشية المختلفة التي قد تطرأ عليه ويقول: ان «كل انسان يستطيع ان يتكيف مع ظروف المعيشة وحالات التقشف القصوى، والمواطن الكويتي حاله حال اي انسان في العالم قادر على ذلك وابرز دليل فترة الغزو، التي وصل فيها الشح الى كل الاصعدة الغذائية والمعيشية، كما ان ظروف ارتفاع البنزين الحالية اثبتت ذلك، فالكويتيون كانوا يستخدمون البنزين الخصوصي قبل رفع السعر، والآن تحول استخدامهم الى البنزين الممتاز بكميات كبيرة، لذلك فالمواطن قادر على التكييف ولكن في بعض الاحيان تكون بإدارته وبأحيان اخرى كثيرة بإجبار من الظروف المحيطة.
ويرى الموسوي ان «هناك من المواطنين من لديه القدرة على التكيف مع التغيرات الاقتصادية التي تحدث، ولكن البعض الآخر يجد صعوبة في ذلك، لأنه تعود على مستوى معين من الانفاق، وتأقلم على نمط معين من السلوك، ومع الاسف، غالبية المواطنين اليوم ليس لديهم قدرة على التكيف، لانهم عاشوا بمستوى معين من الرفاهية لسنوات طويلة منذ السبعينات، ولم يعتقدوان يوما انهم سيضطرون الى تخفيف الانفاق او المرور بأزمة اقتصادية في البلاد، ولكن بعد حصول الامر، اصبح العديد تحت امر «قسري» للتغير، ومن وجهة نظري ارى ان الجيل السابق او الجيل المخضرم قد يستطيع التكيف مع المرحلة الجديدة من التقشف في الانفاق كونه عاش في مرحلة اقتصادية ضعيفة في صغره، لكن الجيل الحديث «جيل ما بعد الغزو»، الذي تعود يوميا على انفاق مرتفع وركوب السيارات الفارهة والسفر في كل اجازة، لن يكون لديه الاستعداد للتغيير الانفاقي وسيجد صعوبة في ذلك، خصوصا ان جيل اليوم لا يشعر بأن هناك فعلا ازمة مادية سيمر بها في المستقبل القريب، ويرى أن الامور طبيعية جدا خصوصا مع الثقافة التي يتبناها، وهي عيش كل يوم بيومه، وبنظري فان هذا الجيل الجديد هو من سيعاني حقا».
ويرى د. كاظم ابل، الاستشاري النفسي والاجتماعي، ان هناك خللا كبيرا في دور المدرسة والاسرة، فهم لا يؤدون دورهم الصحيح في تعليم الجيل الجديد على التكيف مع الظروف الاقتصادية المختلفة، يجب ان تكون هناك عملية ضبط وتعويد للاطفال والشباب على عدم التبذير في الصرف، خصوصا ان للمدرسة دورا مهما جدا في هذه العملية، لكن نسمع اليوم، على الرغم من كل ما تمر به البلاد من ظروف اقتصادية، ان وزارة التربية قامت باتخاذ قرار في توجيه الطلبة في عملية الترشيد في الانفاق الفردي، وارى ان الوزارة غائبة كلياً عن عملية التوجيه والارشاد، وبالتالي فإن هذا الجيل، ضائع في عملية الصرف، وبما ان الآباء هم من يصرفون على ابنائهم فلا يوجد احساس بالمسؤولية من جانب الابناء تجاه هذا الامر، مما يخلق مستقبلا مبهماً اقتصادياً بالنسبة إلهم.

رفض التقشف
وبسؤال الشطي حول الظروف النفسية والاجتماعية التي يرفض بسببها المواطن هذا التقشف، قال: ما يدفع العديد من المواطنين لرفض فكرة التوجه نحو تقليل الانفاق عموماً، كون الرواتب لم تتغير ما يعطي احساسا بالرفض الداخلي لدعم القرارات الحكومية الاقتصادية، ولكن أنا اعتقد ان البعض بدأ بمراجعة كميات استهلاك الطعام عموماً، فالكثيرون بدأوا بالتوجه نحو الأكل الصحي والتقليل من استهلاك الطعام واللجوء نحو الحياة الصحية، ولهذا دور أساسي في التقليل من الانفاق على الغذاء، وأنا أوكد أن العديد من المطاعم والكافيهات بدأت تتراجع مبيعاتها عن السابق ما يقارب الــ%30، وكل ذلك يعود إلى التغير في النمط الغذائي العام بين المواطنين، خصوصا وأن القهوة مثلا ليست من العادات المتوارثة بين الكويتيين، وإنما نمط مستحدث، يضاف إلى كل ما سبق أن البعض أصبح لديه رغبة في تقليل الانفاق نظراً للأوضاع السياسية التي تتعرض لها المنطقة، والتي أصبحت دافعاً أساسيا للعديد من المواطنين للبدء بتخفيض الانفاق على الكماليات والرفاهية.
من جانبه، أكد د. الموسوي في حديثه أن «المواطن لن يتخذ خطوة تجاه تقليل الانفاق، لسبب رئيسي وهو انه لا يثق في الحكومة ولا في قراراتها، كونها تصرف الأموال على أمور ليست ضرورية وتنسى الأولويات، كالمشاريع التي ليست لها أهمية والرواتب المرتفعة للأشخاص غير الأكفاء، لذلك فإن الحكومة إذا أرادت عمل أي إجراء يجب أن تقوم أولاً بضبط الانفاق الحكومي ليعطي ذلك احساساً بالأمان، وإعادة الثقة لدى المواطن وبعد ذلك يتم تطبيق عملية التقشف عليهم، أما أن يرى المواطن أن هناك صرفاً غير طبيعي على الوزراء والنواب وسفرياتهم، ثم يطلب من الكويتيين من ذوي الدخول المختلفة بتخفيض انفاقاتهم، فإن ذلك من الصعب تطبيقه».


أما د. كاظم أبل، فيشير إلى ان العامل النفسي والوسائل الإعلامية لها دور أساسي في رفض المواطن لعملية التقشف الحكومي، حيث قال: «مما لا شك فيه ان المواطن الكويتي اليوم محبط بوجه عام بسبب عدة عوامل، منها على سبيل المثال زيادة أسعار السلع والبنزين، إلى جانب ارتفاع ايجارات الشقق السكنية، وهذا شكل احباطاً في نفسية الشباب المقبلين على الزواج، وبالتالي بدأت تنتشر ظواهر أخرى ترتبت على ضيق المعيشة مثل العنوسة وغير ذلك، كما ان الوافدين رواتبهم محدودة ويعانون من الاحباط وعدم القدرة على التكيف مع الواقع والتأقلم معه، فهناك تذمر واحباط في البلاد على وجه العموم، والجانب الاقتصادي يؤثر بشكل كبير في حياة وسلوك المواطن، فالمواطن غير مستعد لدفع أي ضريبة مستقبلاً ويرفض أي ارتفاع آخر في سعر السلع والبنزين، لسبب واحد، هو ان هناك معلومات تنشر من خلال الصحف ووسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي أن هناك احتياطيا ماليا كبيرا للبلاد، ومدخولا جيدا من النفط، ولكن الدولة تتبرع بالمليارات والملايين للدول الاخرى، وبالتالي أصبح المواطن الكويتي غير مقتنع بتقليل الانفاق على أي شيء، وهذا ما جعله يرفض عملية التقشف في الانفاق على المستوى الفردي أو على الحكومي».
علاقة الإنفاق بالسعادة

قال د. الشطي حول علاقة الإنفاق والاستهلاك بمستوى الشعور بالسعادة لدى المواطنين عموما: «لدينا ثقافة في الكويت تسمى «الاستهلاك الاستهلاكي»، ما يعني ان لدينا ثقافة شراء ما لسنا بحاجة له، نشتري لمجرد إعجابنا بالشيء في لحظة معينة، فالإنسان في العصر الحالي مستهلك بدرجة امتياز، ويعتبر أن الاستهلاك الغذائي مثلا بالنسبة له هو احدى وسائل الترفيه بدءاً من شكل الطعام ثم مذاقه وغير ذلك، تنتشر ثقافة مرتبطة بالانفاق والشعور بالسعادة ويندرج الامر تحت انواع الانفاق الأخرى أهمها «الانفاق الآني» وهو شراء الشيء في ذات اللحظة دون التفكير بمدى حاجته، وهو أسلوب منتشر بين الكويتيين عموما.
من جهته، يرى د. الموسوي ان لعلاقة الإنفاق بالسعادة في المجتمع الكويتي عدة عوامل، ويوضح قائلا: «نحن في البلاد نعاني من حالة «هوس الشراء»، وهي حالة غير طبيعية، وكأن هناك نوعا من الإلزام والقسر على الفرد في الشراء، والبعض الآخر يرى أن هنالك متعة خاصة في الإنفاق، حتى وإن لم يكن بحاجة لذلك، حيث يعطيه الانفاق الاحساس بالسعادة لأنه لم يقصر في حق ذاته في شيء، ما يضفي عليه نوعا من الشعور بالأمان».


ويضيف الموسوي: «إلى جانب ما سبق، يؤدي الفراغ غير الممتلئ بشيء مفيد إلى الزيادة في الانفاق عموما، وبالتالي يسعى الفرد إلى الاسراف في الشراء والسفر، خصوصا أننا في المجتمع الكويتي ليس لدينا طبقات اقتصادية مختلفة جدا في ما يخص الصرف والإسراف في الشراء، فثقافة التقليد منتشرة بيننا، والكل يسير وفق نفس السلوك في الإنفاق والاقتناء، حتى غير القادر ماديا يقوم بأخذ القروض لشراء سيارة فخمة والسفر إلى الدول المرتفعة في تكاليفها المعيشية، ما يعطي شعورا عاما وكأنه لا يوجد طبقات او فروق في المداخيل، والحقيقة ان المشكلة تكمن في أننا لا نفكر في أنفسنا أكثر من تفكيرنا في نظرة الناس لنا، ما يؤدي بالكثيرين لتحمل عبء الديون من أجل الوصول لنفس المستوى المعيشي للآخرين وكي لا يشعر هؤلاء بالدونية عن غيرهم، ولكن الانسان الواثق بنفسه وقدراته والمقتنع بظروفه يصرف بحدود إمكاناته، خصوصا أن المواطن عليه الآن أن يفكر في المستقبل الاقتصادي الغامض للبلاد، وأن يعمل على التوفير وشراء اللازم بوضع ميزانية والتخطيط للمصاريف المستقبلية من أجل الوصول للأمان الاقتصادي له ولأبنائه».
ويؤكد د. الموسوي أن «الأوضاع السياسية التي تمر بها المنطقة العربية، دفعت بالكثيرين إلى محاولة تناسي الأمر عبر الزيادة في الإنفاق لرفع الشعور بالأمان الداخلي، وهذا أمر نفسي بحت يطلق عليه «التكوين العكسي»، ويوضح علاقة الإنفاق بالعامل النفسي، فالشعور بالتهديد من أي عامل خارجي يجعل الفرد يتوجه نحو الإنفاق كوسيلة للراحة».

اضطراب السلوك

يؤكد استشاريون نفسيون أن نمط البذخ والاسراف الذي تعود عليه البعض تحوّل عندهم إلى أسلوب حياة كامل. لذا فمن الصعب العودة إلى «الطبيعي».
وإذا حصل إجبار أو ضرورة قصوى، فإن حالات لا توازن نفسي ستظهر لا محالة.. وسيضطرب السلوك على نحو مَرَضي.

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات
    view tracking