الاقتصادات الخليجية «مدمنة» عمالة رخيصة
الكسندرا سكغز|

يشير سيتي غروب الى عملية اصلاح قاتمة نوعا ما بالنسبة للبلدان المصدرة للنفط التي تعاني من انخفاض اسعار الخام: طموحات أقل بالنسبة للنمو الاقتصادي وعدد اقل من المهاجرين غير المهرة.
الحد من الهجرة هو تكتيك لجأ اليه العديد من البلدان الاخرى في الآونة الاخيرة، لكن علينا ان نولي اهتماما واعتبارا للمنطق، ذلك ان دول مجلس التعاون الخليجي هي في وضع مختلف جدا عن اوروبا والولايات المتحدة، اذ اعتمدت تاريخيا بشكل كبير على العمالة الاجنبية في القطاع الخاص، وتوظيف العمالة الوطنية في الوظائف الحكومية التي يمولها النفط.
تضع احدث تقديرات مركز الخليج للابحاث الوافدين الاجانب عند ما يقرب من نصف سكان دول مجلس التعاون الخليجي (للمقارنة، شكل الوافدون الاجانب حوالي 8 % من السكان في المملكة المتحدة في عام 2014، ونحو 7.8% من سكان الولايات المتحدة، بناء على تقديرات شركة بيو للابحاث التي تشمل الاجانب غير المسجلين).
وكما كتب فاروق سوسه، كبير الاقتصاديين للشرق الاوسط في سيتي غروب، في مذكرة، فإن سياسات الهجرة في دول مجلس التعاون الخليجي جاءت كاستجابة للنمو في المنطقة خلال الطفرة النفطية، والتي كانت «تعتمد بشكل كبير على نمو المدخلات مع نمو، في الواقع سلبي في الانتاجية منذ سبعينات القرن الماضي».
وبرأيه ان احد اسباب نمو الانتاجية السلبي هو «وفرة العمالة الاجنبية الرخيصة»، وحجته ان ذلك «يعطي الصناعات كثيفة العمالة ميزة تنافسية.. ويقلل من الحوافز للاستثمار في التكنولوجيات والصناعات المبتكرة».
لكن ذلك يغطي على جذور المشكلة، فمع تأكيدنا على ان اغراق اقتصادات دول مجلس التعاون الخليجي بالعمالة الاجنبية كان في جزء منه ضرورة اقتصادية، الا انه خيار للسياسات من جهة اخرى، فمع انطلاق التنمية الاقتصادية بسرعة فائقة في سبعينات القرن الماضي، لماذا لم يتم تشغيل المواطنين في صناعة البناء والتشييد التي كانت تنمو وتتوسع بوتيرة سريعة، او في قطاعات الخدمات ذات المهارات الأقل؟ عدم حدوث ذلك يعكس النفور التقليدي من العمل في الوظائف ذات المهارات المتدنية (كما يفترض في كثير من الأحيان) بشكل اقل من كونه كان قراراً سياسياً واعياً بدافع من عدد من العوامل، واهمها اعادة توزيع الثروة النفطية من خلال العمل في القطاع العام.
الوافدون الاجانب يشكلون حوالي 10 %فقط من وظائف القطاع العام وفق احدث تقديرات مركز الخليج للابحاث وحوالي %88 من الوظائف في القطاعين الخاص والمحلي، وتواجه حكومات دول مجلس التعاون وقتاً عصيباً في الحفاظ على رواتب العاملين في القطاع العام منذ انخفاض اسعار النفط.
ويلاحظ صندوق النقد الدولي ان دول مجلس التعاون الخليجي «تنفق على فواتير الاجور العامة ضعف ما تنفقه دول اخرى في الاسواق الناشئة والبلدان النامية»، ويوصي «باعادة النظر في دور وحجم القطاع العام وتعديل العقد الاجتماعي».
وكانت هناك بعض المحاولات الابداعية لزيادة رأس المال والدخول في اصلاحات هيكلية، لكن سوسة يشكك في كونها ستكون كافية:
«يتطلب كلا النهجين الراميين الى تحقيق نمو طويل الاجل في الاقتصاد اصلاحاً هيكلياً كبيراً، وسوف يستغرقان سنوات عديدة، ان لم يكن عقوداً، لتحقيقهما، كما انهما يضعان عبء التوظيف على سوق العمالة الماهرة، التي يمكن ان تشكل معضلة، فالوظائف التي تتطلب مهارات حتى في الاقتصادات المتقدمة، تميل الى ان تمثل اقل من نصف اجمالي الوظائف المتاحة، وهذا يحد من مجال تحقيق توظيف كامل للعمالة الوطنية حتى بمعدلات نمو مرتفعة».
ويقول ان افضل حل يتمثل في تشديد سياسة الهجرة التي من شأنها ان تدفع الى زيادة الطلب على العمالة غير الماهرة في القطاع الخاص، وهو يعتقد ايضاً ان من شأن ذلك ان يشجع المواطنين على العمل في تلك الوظائف.
وبحسب سوسة «نحن نعتقد ان الحد من المعروض من العمالة الاجنبية الرخيصة من خلال اتباع سياسة هجرة اكثر تشدداً وصرامة هي على الارجح الطريقة الوحيدة الاكثر فعالية لزيادة الانتاجية وتوظيف المواطنين في دول مجلس التعاون الخليجي، ان تقليص المعروض من العمالة من شأنه ان يرفع الاجور ويثبط الانشطة ذات العمالة المكثفة والقيمة المضافة المنخفضة، ويساعد في اعادة توجيه الاستثمارات نحو مشاريع ذات رؤوس اموال اكبر وانتاجية اعلى، وفي الوقت نفسه، فان زيادة الاجور ستحفز المواطنين على الدخول في سوق العمل والوظائف التي لا تتطلب مهارات، كما أن انعدام الخيارات سيجبر الشركات المحلية على توظيف المواطنين».
وبالطبع يفترض ذلك أن مواطني دول مجلس التعاون الخليجي على استعداد للدخول في سوق العمل التي تتمتع بسمعة سيئة لجهة تعاملها الصارم مع العمال غير المهرة، بعد عقود من زمن «الأجر الحكومي المقدس»، كما نقلت بلومبيرغ عن مدير استثمار مقره الرياض.
طرح خيار الحد من مستوى معيشة المواطنين يبدو محفوفا بالمخاطر نوعا ما، لا سيما عندما تكون الحكومة في منطقة غير مستقرة سياسيا. كما أنه ليس واضحا كم عدد الوظائف التي ستكون متاحة، لأن هناك مؤشرات على ان انخفاض أسعار النفط يؤثر في الطلب على العمالة في بعض دول مجلس التعاون الخليجي.
لكن دعونا نفترض ان توظيف المواطنين سيجعل من سوق العمالة غير الماهرة أكثر سهولة واعتدالا ويبقي على الدول مستقرة سياسيا، ويجعل اقتصاداتها تنمو بما فيه الكفاية لتوفير عمل ثابت للمواطنين.
لكن حتى اذا نجح ذلك فستكون هناك عواقب سلبية، بحسب سوسة. مع تأكيدنا: «لا مناص من أن اقتراحنا سيكون له تأثير سلبي في النشاط الاقتصادي الاجمالي على الأقل في المدى المتوسط، مما سيؤدي الى انكماش مستمر في اقتصادات دول مجلس التعاون الخليجي في حال تنفيذها. مع توقف تراكم رأس المال، فإن انخفاض مدخلات العمل سيكون له بطبيعة الحال تأثير سلبي في نمو الناتج المحلي الاجمالي. ويمكن أن ينكمش عدد السكان ما سيقود الى الحد من الاستهلاك. (ملاحظة: كيف يمكن بالضبط أن يتقلص عدد السكان؟) وعلاوة على ذلك، فإن ارتفاع الاجور سيجعل الكثير من الصناعات كثيفة العمالة أقل قابلة للحياة، مما سيؤدي اغلاق عدد منها وبالتالي تعزيز التراجع في التوظيف.
ويقول متابعا «إن هيكل اقتصادات دول مجلس التعاون الخليجي هو من النوع الذي يجعلها في موقف نادر لجهة ان زيادة تشغيل العمالة والانتاجية عملية قابلة للتحقيق في سياق الانكماش الاقتصادي العام. هذا لا يعني أنه لا يوجد اي تكلفة لذلك: العمالة الأجنبية سوف تنخفض مما يؤدي الى عودة العديد منهم الى أوطانهم، مع احتمال حدوث عواقب سلبية لهم ولاقتصادات بلدانهم».

 

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات