العمليات الانتخابية التي تشهدها العديد من دول المنطقة والعالم تشكل امتحانا لكيفية تعامل المواطن مع الواقع السياسي ومع العملية الديموقراطية. ونسبة الاقتراع المرتفعة تشكل، في حد ذاتها، رسالة معنوية حول اهتمام الناخبين بمجريات هذه العملية، واقتناعهم بضرورة اختيار المرشح الأفضل بالنسبة إليهم.
وبصورة عامة، إن رسائل الاحتجاج تتمثل إما في المقاطعة، أو في الورقة البيضاء، أو في التصويت لمرشح ليس له أي حظ في النجاح، وكلها دلائل على عدم الرضا، أو السخط على واقع سياسي لنخب وقوى سياسية، أو على مجمل سلوك المسؤولين، أو على ممارسات وقرارات معينة.. لكن في حال ازداد هذا التصرف فقد يتحول ذلك إلى ظاهرة بالغة التأثير في الرأي العام، وذات أثر سيئ على التجربة الديموقراطية.
فالصوت الأبيض تصرف يعني واحدا من ثلاث «رسائل» يريد هذا الشخص توجيهها: فإما أنه راغب في المشاركة لكن لا يعجبه أي من المرشحين في دائرته، وإما لديه موقف احتجاجي لكن في حدود «معتدلة»، فلا يصل إلى حد المقاطعة الكاملة، وإما القول ضمنا إنني كناخب موجود نظريا فتفضلوا أيها المسؤولون، وقدموا إنجازات وإصلاحات جديرة بأن تجعلني ناخبا بكل معنى الكلمة.
وفكرة الورقة البيضاء، أو توجه الناخب إلى صناديق الاقتراع لإبطال صوته الانتخابي في غاية الخطورة على الحراك السياسي، والعملية الديموقراطية السليمة التي تقتضي مشاركة فاعلة من الجميع، وقد ظهرت خلال الانتخابات الأخيرة السابقة محاولات إبطال الأصوات الانتخابية تعبيرا عن فكرة أن المرشحين جميعا لا يلبون الطموح السياسي للناخب، وإبطال صوته تعبيرا عن رفض العملية الانتخابية بأكملها.
على أرض الواقع، فإن كل تلك التصرفات الانتخابية ستعطي نتائج واحدة: تكريس الوضع القائم، والعزلة السياسية والاجتماعية لكثير من السياسيين، والبعض قد يجد نفسه أمام مخاطر تتعلق بانتهاء مشروعه السياسي، إن لم نقل إنه يسهم في خلق طبقة سياسية تعمل لملء الفراغ، وقد لا تكون هي الجديرة بتصحيح الوضع.. بل أكثر من ذلك، القواعد المنزعجة أو الناقمة، سوف «تتباعد»، أو تتشتت، فلا يعود لها أي تأثير في المجريات.. فلقد برز بعض المقاطعين وكونوا لأنفسهم دورا مختلفا عما سبق خوفا من العزلة والتهميش.
مقاطعة الانتخابات سلبية مطلقة، يهدر المواطن فيها صوته وحقه، ويعطي الفرصة لمن لا يستحق أن يكون وكيلا عنه، فتكون النتيجة النهائية جمودا في العملية السياسية، وانسدادا في شريان الأفق السياسي للمجتمع.
ولا بد أن يشارك الجميع، الحكومة والسياسيون، وقوى المجتمع المدني، والرأي العام، والهيئات الإعلامية، والمشاركون والمقاطعون، ومقترعو الورقة البيضاء في تقييم المشهد، فالعملية الديموقراطية تتطلب بناء الثقة بكل معانيها.. والدعوة إلى القراءة السياسية الصحيحة لمزاج الكويتيين في هذه الانتخابات.
ولكن السؤال الذي يطرح نفسه: ماذا يفعل الناخب في حال لم يحز أي من المرشحين في دائرته على قبوله أو تأييده؟! وماذا يفعل الناخب عندما يجد مدخلات الانتخابات (وبالتالي مخرجاتها) أقل من طموح المرحلة بكثير؟!

فوزية أبل

 

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات