توصف تسريبات حسابات «بنما» بأنها أكبر عملية تسريب بيانات سرية في التاريخ، فهي تفوق في حجمها تسريبات ويكيليكس الشهيرة، إذ إنها تتضمن الكشف عن 11.5 مليون وثيقة لملاذات حسابات سرية لأشخاص عاديين ورجال سياسة وفن ورياضة، أودعوا أموالهم من ملاحقات وتهربات ضريبية في ملاذات مصرفية آمنة عبر شركة موساك فونسيكا البنمية. القضية في أساسها والتعامل مع «موساك فونسيكا» وغيرها من الشركات، لا يعنيان بالضرورة وجود مخالفات قانونية، لكن ما يخشى هو إمكان استخدام البعض لها للتهريب وإخفاء أموال وغيرها نتيجة ممارسات غير شرعية.
ورغم أن التسريبات بحد ذاتها لا تعنينا، ولا الشركة ولا حتى «بنما» من منطلق أننا ولله الحمد في بلد ليس فيه ضرائب ولا يُسأل فيه الناس ولا الشركات عن ثرواتهم، ولا من أين تحصلون عليها، خصوصاً أولئك الذين ينطلقون فيها فجأة من خانة الصفر إلى خانات الأصفار الستة والسبعة خلال فترة وجيزة.. كان أهل الكويت يتعبون ويكدّون سنين طويلة وشاقة ليصلوا إليها ويتحصّلوا على أصفارها. إن مبعث استغرابنا وما يهمنا ويبعث على الريبة هو أن العالم كله قد ضجّ بتلك التسريبات، أما في الكويت فيبدو أن الأمر عادي رغم وجود مواطنين كويتيين وردت أسماؤهم في تلك التسريبات، وما يضاعف الشك والريبة هو أن بعض أولئك المواطنين معروفون بين أوساطهم بتواضع مراكزهم المالية، ولم يتقلدوا يوماً أي مراكز سياسية أو قيادية، وبالتالي فهم ليسوا بحاجة الى ملاذات آمنة لا في «بنما» ولا غيرها، فضلاً عن أنهم مواطنون في بلد ليس فيه نظام ضرائب ولا أيتها قيود على خروج ودخول الأموال بالمعنى الدقيق للرقابة والقيود، ولم يكونوا- كما أسلفنا- رجال سياسة ولا قيادات اقتصادية أو من ذوي الحيثيات المهمة حتى يبحثوا عن ملاذات آمنة للثروات المسجلة بأسمائهم.
الكلام المتطاير والمعلومات المتناثرة التي رشحت عن تلك التسريبات بخصوص بعض أولئك المواطنين تقول انهم مجرد واجهة أو صناديق أمانات مقابل نسبة محددة لملايين تخص بعض الأسماء لكويتيين آخرين عليهم شبهات انتفاع غير مشروع، ومنهم من هم مطلوبون لجهات قضائية كويتية وخليجية بمذكرات توقيف. نتمنى ألا يكون ذلك صحيحاً ومجرد كلام لا أساس له، ولكن الأمر يتطلب تحركا من الجهات المعنية في البلاد والقضاء الكويتي للتحقيق مع من وردت أسماؤهم في تلك التسريبات، ومصدر تلك الأموال الكبيرة والدافع وراء ملاذات آمنة وشركات «أوف شور». فالناس بحاجة إلى تطمين لا تطميم من أن هناك من يهتم ويتابع ويحقق، لا سيما عندما تكشف وتقدم لنا عدالة الطبيعة الأدلة على ذلك فجأة ودونما حاجة الى السفر والبحث.. والله المستعان.
نكشة: يبدو أن الفساد اصبح أسلوب حياة ونمط معيشة ووسيلة تكسبٍ واحترامٍ بين الناس، وأن الموت ليس أعظم مصيبة في الحياة، لكن أعظم مصيبة أن يموت الخوف فينا من الله ونحن أحياء وألا يكترث أحد لكل ما قلناه.

عادل فهد الطخيم

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات