آخر التحديثات عن فيروس كورونا في الكويت

102441

إصابة مؤكدة

595

وفيات

93562

شفاء تام

سيرة الشاعر خليل حاوي: المصرح به والمسكوت عنه.. مجددا
كتب جهاد فاضل:
لم ينس جيران الشاعر خليل حاوي حتى الآن ذلك المشهد المأساوي المريع الذي شاهدوه صبيحة الخامس من حزيران من عام .1982 فقد استفاقوا من نومهم ليخرجوا الى شرفات منازلهم، وليتذكروا وقائع ليلة الأمس العاصفة المجنونة التي لم تعرف بيروت مثيلا لها من حيث حدة المعارك والقصف والفوضى التي سادتها. ولكنهم ما كادوا يخرجون الى شرفات منازلهم حتى فجعوا بجارهم الشاعر خليل حاوي متهاويا على شرفة منزله، وبيده بندقية يبدو للوهلة الأولى أنه انتحر بواسطتها.
يعيد الكثيرون انتحار خليل حاوي لدواع وطنية أو قومية.. فعندهم ان خليل حاوي انتحر احتجاجا على غزو الاسرائيليين للبنان. ذلك أنه شعر بالعار فلجأ، بنظرهم، الى الانتحار، لغسله. ولعله أراد بهذا الانتحار تنبيه بني قومه وايقاظهم من غفلتهم. ومع ان آخرين، لا ينفون أثر العام، او الوطني، كسبب من أسباب انتحار خليل حاوي، الا أنهم يرون ان انتحار الشاعر كان تتمة منطقية، أو غير منطقية، لخيبات مريرة تجرعها الشاعر من هذه الدنيا، على مدار حياته. من هذه الخيبات، هناك العام، وهناك الخاص او الشخصي. وهذا العامل الأخير، كان الأقسى والأشد فتكا في نفسية الشاعر، ولدرجة القول أنه يجب العامل العام او الوطني ويتفوق عليه. ذلك أن خليل حاوي، منذ فتح عينيه على هذه الدنيا، كان نموذجا حيا للشخصية الشقية المعذبة. فقد مارس، وهو بعد في بداية حياته، ما يصطلح على تسميته بالمهن الوضيعة ومنها مهنة الاسكافي. كما أمضى سنوات عدة معاونا لمعلمي العمار في القرى والأرياف. ووالده نفسه كان معلم عمار. وعندما كبر، عاد الى المدارس الثانوية ليتخرج فيها ويدخل الجامعة وهو أكبر سنا بكثير من أترابه ورفاقه.
وعندما كان يرتبط عاطفيا بهذه الفتاة او تلك، كان كمن يحاول الاقتراب من الجمر. فالخيبة مرشحة لأن تكون عنوانا لكل حكاياته مع النساء اللواتي أحبهن او ارتبط بهن، او فكر بإحداهن كزوجة له. وفي طليعة هؤلاء النساء اللواتي سنسرد حكايات خليل حاوي معهن، تبرز القاصة العراقية المعروفة ديزي الأمير التي اقامت عنده فترة في كامبريدج، خلال دراسته الجامعية العليا فيها، والتي خطبها فيما بعد، ولكن لتنتهي علاقته بها لاحقا نهاية مأساوية.
جرح لم يندمل
ولكن قبل فتح هذا الملف العاطفي المأساوي في حياة الشاعر، ونحن نفتحه اليوم للمرة الأولى انطلاقا من صلتنا الشخصية الحميمة به، نود الاشارة الى جرح غائر في نفس الشاعر لم يندمل يوما، يتمثل في موت شقيقته الصغرى اوليفيا في بلدة بوارج قرب شتورة.
كان والد خليل (واصل العائلة من الشوير بأعالي المتن) يعمل في بوارج فاصطحب معه عائلته وأولاده الصغار ومنهم خليل وأوليفيا. كان خليل متعلقا بشقيقته لا يغادرها ليلعب مع أترابه، إلا ليعود إليها على عجل ويدللها ويقبلها ويسمع كلماتها وأخبارها ويتفقد اللعب التي كانت تلعب بها.
ولكن اوليفيا تصاب بحمى شديدة قاتلة، في زمنها، نظرا لتخلف الطب يومها. وعندما شعر الوالدان بأن اوليفيا مقبلة على الموت، نقلا خليل الى الشوير ليمضي بقية الصيف عند اقاربهما كي لا يشاهد اخته وهي تصارع الموت، أو تموت. وبايجاز شديد: تموت اوليفيا الشقيقة الصغرى المحببة لخليل، وخليل بعيد عنها في الشوير. وعندما سأل كثيرا عنها فيما بعد، قال أهله له أنها في مدرسة داخلية في بيروت. وظل خليل فترة طويلة فيما بعد يسأل عنها، وفي كل مرة يقدمون له سببا لتغيبها الذي طال، وقبل سنوات من موته، سمعت خليل مرارا يقول: غريب امر هذه الطفلة! ما زلت الى اليوم اترقب عودتها وهي لا تأتي، أين انت يا اوليفيا؟
نساء وأزمات
وكما ترقب خليل حاوي شقيقته اوليفيا التي لا تأتي، ترقب ايضا امرأة مختلفة لم تأت يوما. في فترات عمره المراهق، ارتبط بصبايا عديدات من الشوير ومن خارجها. ولكن تلك الارتباطات ما كانت تقوم حتى تزول، لتفد ارتباطات اخرى متصلة بالرزق والكفاح من اجل الحياة، فتقصي خليل عما كان يفكر فيه او يتمناه. وبعد سنوات طويلة كان خليل يرجع الى الشوير في مواسم الاعياد، كما كان يفعل مراهقا، ويتأمل تلك الصبايا اللواتي اصبحن امهات، ومن بعد جدات، ليشعر بنوع من الرعب، وكأنه شاهد على وجوههن آثار ذلك العدو الخفي الذي يسمى الزمن، والذي يرسم السحن المشؤومة وعدته التجاعيد واليباس والنضوب والتشويه. ولا يبالغ ايليا اخوه، عندما يقول في كتابه عنه ان كل امرأة بدت هرمة وفارقها الالق والجمال والفتنة، كانت تشيع في نفسه ازمة كيانية وجودية ينتفي بها الانسان، وتحل حالة يسكر عليها العبث ويقيم اعراسه وولائمه السوداء.
فخليل حاوي في الواقع، كان صورة مجسدة للتشاؤم الاسود واليأس المطبق، وكأن كل يوم اضافي يعيشه ينبغي ان يهنأ عليه لأن المنتظر والمتوقع منه بالنسبة لعارفيه، كان على الدوام، الانتحار!
وأحب خليل حاوي في صباه فتاة في الشوير ايضا لكن لم يكن له منها 'الا اللقاء الخاطف في الكرم، حين تذهب الى قطف العنب صباحا، او انه يراها قادمة، فيهرع للقائها ويتكلمان بكلمات عابرة مخنوقة لا تمثل حقيقة ما في نفسيهما وفي جسديهما.
ولا شك ان خليل احس نحو تلك الفتاة الفاتنة والمتغاوية بنوع من الاحساس العاطفي المخضب بقليل او كثير من الشهوات غير البريئة، وان كان لم يدركها ويحقق منها شيئا. فخليل مضى في سبيله الى قرية اخرى ليمارس فيها حرفة العمار، والفتاة تزوجت لاحقا وامست اما ثم جدة.
نفس ثائرة
لم تكن غراميات خليل حاوي لتصمد مع الزمن، ولا بد من الاشارة هنا الى ان نساء كثيرات، منهن خطيبته التي لم تتزوجه، ديزي الامير، كثيرا، سكون في مزاجه المتقلب ومن طباعه التي لا تعرف الاستقرار. فهو ثائر، ناقم، سلبي، على حافة الهاوية دائما. ولعل هذه النفس الثائرة كانت وراء فسخ خطبته ايضا، لا من ديزي هذه المرة، بل من فتاة لبنانية تعرفت الى خليل عقب عودتها من الولايات المتحدة مجازة في التربية وعلم النفس اسمها عبلة ابي عبدالله.
يعزو شقيقه ايليا حاوي فسخ خطبة خليل من عبلة الى سبب آخر هو ان خليل الذي كانت تجرفه عاطفته، سرعان ما يصحو فيجد نفسه عاجزا عن تأسيس منزل وإعالة اسرة بسبب محدودية دخله. ذلك ان مرتبه في الجامعة كان محدودا، وظل دائما على هذه الصورة. ولكن لاشك أن وراء كل خيباته مع نسائه هو النفس القلقة من جهة، والنفس الشاعرة من جهة أخرى. فخليل كان يعرف ان كل امرأة يمكن أن تقدم شيئا للشاعر، ولكن تسلبه أشياء. ولأن الشاعر دائما حر وساع لتحقيق حريته، ولأداء واجباته تجاه الشعر، فلاشك أن خليل كان يجد في الزواج عائقا ما. يريد ان يتزوج فيسرع الخطى نحو الزواج، ولكن ليكتشف، قبل ان يثبت في مستتنقع الزواج رجله، ان الزواج ليس سمنا وسكرا، فيتراجع. ولكنه، وقد تراجع، تفيض نفسه بالشجن والبكاء على ما فاته من محاسن العائلة أو الاسرة ومباهجها.
قصة ديزي
ويبدو أن خليل شعر عندما تعرف الى القاصة العراقية ديزي الأمير بأنه هزم كل خيباته وتصالح مع الزمن وانتهى الى تطبيع كامل مع قدره وحظه. فديزي أديبة ومثقفة أصلها من العراق، ولكن والدتها لبنانية تمت بصلة القرابة، ولو القرابة البعيدة الى اسرته. وقد صحبت ديزي معها من العراق عندما قدمت من لبنان ذكرياتها الأدبية: فهي زميلة بدر شاكر السياب وعبدالوهاب البياتي في دار المعلمين العالية في بغداد. ولديها ملف خاص يحوي، ما لا يحصى من القصائد التي قالها فيها شعراء عرب عراقيون وشوام وسودانيون ومن جنسيات شتى، وقد أعجبها خليل حاوي، كما أعجبت هي خليل، فارتبطا برباط خطبة على ان يتزوجا لاحقا.
عندما سافر خليل حاوي الى كمبردج للحصول على درجة الدكتوراه، لحقته ديزي على أمل أن يتزوجا بعد عودتهما الى لبنان. ولكن الزواج لم يتم لأكثر من سبب. تقول ديزي إن خليل ليس 'عصريا'.. فهو لا يعتني بهندامه، ولا يشتري ألبسة جديدة. وهو لا يريد ان يغير أثاث شقته عندما يتزوج. فقد قال لها ان الاهتمام بالأثاث لا يجوز ان يسري عليه. فالاغنياء هم الذين يهتمون بأثاث البيوت، وهو ليس غنيا. لذلك عليها أن تقبل به زوجا وتتكل على الله.. ولكن ديزي لم تقتنع، وتابعت شكاواها من خليل: طباعه سيئة ومزاجه لا يحتمل، وهو يشرب الخمرة، وعشرته لا تطاق أحيانا لفرط سلبيته. ومن كلمة إلى أخرى، وجد خليل نفسه خارج اطار الخطبة، بل خارج كل صلة مع ديزي.
ما الذي فعلته ديزي بعد خليل؟ تزوجت شاعرا لبنانيا آخر ثم طلقته. هنا عاد خليل إليها طالبا منها ان تتزوجه، ولكنها رفضت رفضا صارما، الأمر الذي أوقع خليل في محنة زادت من محنه ومآسيه وخيباته. فقد تقدم في العمر، ولم يعد من الممكن بالنسبة إليه ارتجال علاقة عاطفية جديدة. وزاد في الطين بلة، كما يقولون، انه كان يقيم وحيدا في شقته في بيروت وما من رفيق له سوى أفكاره السوداء ووقوعه أسير العبث والعدمية. أما الشعر فلم يعد يواتيه كما كان يواتيه في السابق. وآخر ديوان شعري صدر له، واسمه 'جحيم الكوميديا'، اثار سخرية المثقفين والنقاد، فقالوا ان جمرة الابداع في هذا الشاعر قد انطفأت.
تدهور نفسي وعقلي
في الاشهر الاخيرة التي سبقت انتحاره، كان خليل حاوي يلتقي بديزي الأمير مصادفة في شوارع بيروت الغربية، ويحثها على ان تعود اليه لتتزوجه، لكنه كان كمن يحاول المستحيل. فديزي اصبحت في عالم آخر، في حين كان خليل يخطط للالتحاق بالعالم الآخر الحقيقي. فقبل حادثة انتحاره، حاول الانتحار ست مرات وفشل في وضع حد لحياته. في كل مرة وعقب المحاولة، كان القدر يتدخل لانقاذه، تعرف والدته المسنة، او بعض اصدقائه عن طريق المصادفة بالمحاولة، فيأخذونه بالقوة الى مستشفى الجامعة الاميركية، حيث يعالج ويشفى.
ولكن اوضاعه النفسية والعقلية ساءت في الاسابيع القليلة التي سبقت انتحاره اكثر من اي وقت سابق، فقد اضطرب الامن اضطرابا خطيرا في بيروت، ولم يعد الحي الذي يقيم فيه بعيدا عن هذا الاضطراب، في اي ساعة من ساعات الليل أو النهار يلعلع الرصاص، وتسقط القذائف هنا وهناك، إلى درجة تعذر الخروج من المنزل ولو الى حانوت قريب لشراء المواد الضرورية العاجلة.
كان خليل يعاني في داخله اضطرابا من نوع آخر، لم يكن يخفي عن المقربين منه. فقد اجمع هؤلاء على ان خليل يشكو اضطرابا عقليا قريبا من الجنون الطبي ان لم يكن هو الجنون الطبي بعينه. وفي مثل هذه الظروف العامة والخاصة على السواء، كان من المتوقع ان يقدم الشاعر في اي لحظة على اي حماقة. وفي الليلة التي انتحر فيها، كانت بيروت، ورأس بيروت بالذات، عبارة عن جحيم حقيقي. الرصاص يلعلع في كل مكان والمسلحون منتشرون في الشوارع، والاخبار تقول ان الاسرائيليين احتلوا صيدا، وانهم في طريقهم الى بيروت. في مثل هذه الظروف، استل شاعر لبناني كان يعمل قبل وفاته استاذا للادب العربي في جامعة بيروت الاميركية، ويرأس الدائرة الاكاديمية العربية فيها، بندقية الصيد التي كانت في خزانته، وخرج الى شرفة منزله المطلة على شارع جانبي قريب من الشارع الكبير امام الجامعة الاميركية، واطلق على رأسه النار، فسقط في الحال واسلم الروح.
حب مدمر
اخوه ايليا، وقد توفي الان، وكان ناقدا ادبيا معروفا، يقول ان ديزي الامير كانت من الاسباب التي ادت به الى الموت، فقد تحابا زمنا طويلا، وعاشا معا في بريطانيا، وعادا من هناك على أمل الزواج، ولكن ديزي كانت في اعماقها، كما يقول ايليا، امرأة عادية لا امرأة عظيمة طلبت من خليل ان يكون رجلا ثريا يؤسس منزلا فاخرا، ولما تعذر على خليل ان يؤسس مثل هذا المنزل غسلت ديزي يديها وقالت للشاعر الذي تفانى في حبها: 'وداعا' ولتتزوج بعد ذلك بفترة بسيطة شخصا اخر!
وقد تابعت ديزي الامير سلسلة الاساءات الى خليل حتى بعد وفاته، اذ اصدرت، خلال الحرب وعن دار النضال في بيروت كتابا تضمن رسائل خليل حاوي اليها، وبخطه ولكنها أمعنت في هذه الرسائل تشطيبا وتشويها حتى فقدت اي قيمة ادبية او تاريخية.
من الصعب ان يعزو الباحث حادثة انتحار خليل حاوي الى سبب محدد دون سواه. هناك اسباب عديدة ادت بالشاعر الى وضع حد لحياته منها الشخصي، ومنها غير الشخصي. ولكن في خيبات خليل حاوي مع المرأة، وقمة هذه الخيبات مع ديزي الامير ينبغي ان يتلمس العوامل الاساسية التي قادته الى حتفه.

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات
    view tracking