«كردستان الكبرى».. حلم بعيد المنال

وليد قرضاب |

مع تسارع وتيرة الاحداث في المنطقة والسباق المحموم لرسم ملامح شرق اوسط جديد يعيد رسم الخريطة وبعثرة خطوط اتفاقية سايكس بيكو بعد مرور قرن عليها، يسعى الاكراد إلى انتزاع دولتهم التي لطالما حلموا بها. فعلى الرغم من تاريخهم الطويل في البلاد، لم تكن لهم أبدا دولة في التقويم الميلادي، وفي مطلع القرن العشرين، بدأ الكثير منهم التفكير في تكوين دولة مستقلة، باسم «كردستان الكبرى».

يتراوح عدد الأكراد حالياً ما بين عشرين وثلاثين مليونا، ويعدون رابع أكبر مجموعة عرقية في الشرق الأوسط. وموطنهم يقع ضمن حدود كل من تركيا والعراق، وايران، واجزاء صغيرة من سوريا، وأرمينيا، واذربيجان.
بعد هزيمة الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى، وضع الحلفاء تصورا لدولة كردية في معاهدة سيفر عام 1920. إلا أن هذه الآمال تحطمت، إثر توقيع معاهدة لوزان التي وضعت الحدود الحالية للدولة التركية كما فشلت محاولة اقامة دولة مهاباد في عام 1946. وعدم وجود دولة واحدة لهم تضمن لغتهم وتقاليدهم يجعل الاكراد دائمي القلق حول مصيرهم في ظل الصراعات الاقليمية.

نزعات انفصالية
ينقسم الأكراد حالياً إلى أربع مجموعات «الكرمانجي، والكلهود، والكوران، واللور»، وكل مجموعة لها لغة خاصة بها. يشكل كرد تركيا %56 من مجموع الكرد في العالم. وفي الجمهورية الحديثة تبنى مصطفى كمال أتاتورك نهجا سياسيا يتمحور حول إلزام انتماء الأقليات العرقية المختلفة في تركيا باللغة والثقافة التركية، وكانت من نتائج هذه السياسة منع الأكراد من ممارسة لغتهم وتشكيل أحزاب سياسية. غير ان نضال حزب العمال الكردستاني، ذي النزعة الانفصالية، بقيادة عبدالله اوجلان كسر حاجز الخوف، لكنه ادخل الاكراد في حرب مع الدولة التركية ما زالت مستمرة حتى اليوم.
ومع اندلاع ثورات الربيع العربي، عادت القوميات المقموعة إلى محاولة انتزاع حقوقها، وعاد الاكراد إلى حلمهم القديم بالدولة، فاشتعلت الجبهة مجدداً وهذه المرة انضمت اليها سوريا بعد قمع دام لعقود.
يرى الاكراد احقيتهم في دولة قومية حال دونها مؤامرة اقليمية دولية لإبقائهم مجزئين، غير ان هناك احزاباً تتواصل في ما بينها لا بل تشكل امتداداً عبر ثلاث دول تنشد الانفصال.
ويشكل حزب الاتحاد الديموقراطي (ب ي د) السوري امتداداً لحزب العمال الكردستاني (ب ك ك) التركي ولديه الطموح نفسه في انتزاع الدولة المستقلة، ولهذا الحزب ايضاً امتداد في ايران من خلال حزب الحياة الحرة الكردي (بيجاك) الذي تأسس عام 2003، وأبدى مؤخراً استعداده لارسال مقاتلين إلى سوريا لمساندة حزب الاتحاد في معركته المصيرية لانتزاع حكم ذاتي في اقليم {روج آفا}، كما انه قام مؤخراً بسلسلة عمليات داخل ايران ضد الحرس الثوري ما دفع الاخير بالتهديد باجتياح اراضي اقليم كردستان العراق لمطاردة عناصر هذا الحزب، وهناك قلق ايراني من عودة اكبر حزبين كرديين هما حزب كوملة والحزب الديموقراطي الكردستاني إلى الساحة السياسية الايرانية، وتحذيرهما بالعودة إلى العمل المسلح حتى تحقيق طموحات شعبهم بالاستقلال او الحكم الذاتي.
يشكل كرد إيران %16 من مجموع الكرد في العالم ويعيشون في منطقة حدودية مع تركيا والعراق، ونتيجة لظلم الشاه لهذه الاقلية تأسست دولة مهاباد في عام 1946 على يد القاضي محمد زعيم (الحزب الديموقراطي الكردي- ايران)، ومثلت احد وجوه الصراع السوفيتي مع الغرب في تلك الحقبة، وتمكن الشاه محمد رضا بهلوي بدعم من دول غربية من احباط استمرار هذه الدولة، واعدم القاضي محمد عام 1947 في الساحة نفسها وقتل 15 الف كردي في معركة غير متكافئة، ليتحول الاكراد إلى الجبال تمهيداً للعمل المسلح.
وعام 1979 بعد نجاح الثورة الاسلامية اجتاح المناطق الكردية غضب عارم لعدم السماح لممثليين عنهم بالمشاركة في كتابة الدستور الجديد وكان عبدالرحمن قاسملو (1930 - 1989) من أبرز الشخصيات في ذلك الوقت إلا أن الخميني منعه من المشاركة في كتابة الدستور، ونتيجة لذلك بلور الاكراد حينها مشروع حكم ذاتي في دولة مهاباد اخمدها الحرس الثوري ولاحق قيادييها وتمت مطاردة قاسملو حتى اغتالته الاستخبارات الايرانية في فيينا عام 1989.
القلق الايراني التركي السوري المتجدد من الاكراد وحلمهم العظيم، دفعهم إلى تنحية خلافاتهم جانباً والاتحاد في مواجهة العدو المشترك الذي بات يقض مضاجهم، فبعد زيارة وزير الخارجية الايراني قبل اسبوعين إلى اسطنبول ومباحثات مطولة تناولت الملف السوري بجميع جوانبه، اعلنت انقرة عن عملية واسعة تحت مسمى «درع الفرات» لإبعاد خطر اكراد سوريا عن حدودها وضمان عدم تجاوزهم غرب النهر، واعلنت تركيا انها ابلغت نظام الرئيس السوري في دمشق بالامر، رغم القطيعة بين البلدين، وبدوره النظام اكتفى ببيان يدين التدخل التركي كإجراء لحفظ ماء الوجه، وكان ليصعِّد لو ان التدخل جاء بغير هدف ضرب الاكراد، خاصة أن النظام السوري قمع الاكراد وحرمهم من الحقوق الأساسية ولم يمنح حوالي 300 ألف من الأكراد الجنسية السورية منذ ستينات القرن الماضي، وصودرت الأراضي الكردية وأعيد توزيعها على العرب وعُربت اسماء المدن على سبيل المثال كوباني اصبحت عين العرب.

لعبة التقسيم السورية
ويتهم النظام السوري أيضا بأنه اغتال احد ابرز القادة الكرد وهو مشعل تمو الذي كان عضواً مؤسساً فيما يعرف بربيع دمشق وكان يطالب مع المعارضة السورية بإسقاط نظام الاسد وتأسيس دولة سورية مدنية بصيغة «الشعب السوري واحد» يضمن حقوق الاقليات وبينهم المكون الكردي السوري الذي يشكل %6 من مجموع الكرد في العالم. وهناك تأكيدات أن النظام دعم حزب الاتحاد الديموقراطي بزعامة صالح مسلم بهدف تشتيت الصوت الكردي ومنع انسياق هذا المكون في الثورة التي تنادي بإسقاط النظام.
كما ان للتيار الاسلامي المتشدد طريق قديم إلى المكون الكردي حيث هناك تيار انصار الاسلام وانصار السنة وقد شاركوا في العديد من الاعمال الارهابية إلى جانب تنظيم القاعدة في العراق، وبعضهم اعلن طاعته لأبو بكر البغدادي زعيم تنظيم داعش.

التجربة العراقية
دأب الاكراد الاتراك والايرانيون إلى اللجوء إلى العراق للاحتماء عند تعرضهم للمطاردة، لا سيما في جبال قنديل الحدودية، وذلك بسبب حصول اكراد العراق على بعض حقوقهم حيث كانوا يتمتعون بحكم ذاتي لطالما الهم النزعة الانفصالية لدى باقي الكرد وايقظ حلم كردستان الكبرى كنقطة انطلاق مركزها اربيل. غير ان حسابات الحقل ليست كحسابات البيدر، فأكراد العراق الذين عانوا من ظلم صدام حسين وارتكبت بحقهم ابشع مجزرة بتاريخ هذه القومية (حلبجة) منغمسين حالياً في خلافاتهم الداخلية التي تتقاطع مع خلافاتهم مع بغداد، فالصراع السياسي هناك بين الاحزاب الكردية الثلاثة تطغى، وإن كانت تحت الرماد حالياً بهدف التركيز على القضاء على خطر داعش وتوسيع حدود الاقليم ليضم مناطق من الموصل وكركوك.
وهذا الانقسام السياسي والصراع على الحكم بين مركزي القرار في الاقليم وهما اربيل (حكومة مسعود البارزاني) والسليمانية (مركز الثقل لحزب الإتحاد الوطني الكردستاني بزعامة جلال الطالباني وحركة التغيير) يجعل كلا الطرفين بحاجة إلى وازع اقليمي يحمي نفوذهما ويكون سنداً لهما في المعركة. ومن هنا فإن البارزاني، الطامح لإعلان الاستقلال عن بغداد والاحتفاظ بنفط الاقليم للاقليم، لا يتوانى عن نسج علاقات مميزة مع الجانب التركي الذي يقاتل ابناء جلدته من حزب العمال، لا بل سمح للطائرات التركية بقصف مناطق عراقية يتحصن بها الانفصاليون.
وهو بذلك انما يرمي إلى ابعد من توريث كرسي الرئاسة إلى نجله نيرجفان، فالعلاقة الطيبة مع انقرة تضمن له تصدير النفط عبر ميناء جيهان وبالتالي الاستغناء عن الخضوع لشروط بغداد لبيع النفط. كما انها في نفس الوقت تضمن له داعم اقليمي سياسية وعسكري من خلال تواجد مدربين اتراك للبشمركة في معسكر بعشيقة. في حين نسج الطالباني بدوره علاقات مميزة مع ايران.
ويشكل كرد العراق %15 من مجموع الكرد في العالم، ودُمِجوا مع تكوين دولة العراق في سنة 1923، بموجب اتفاقية سايكس بيكو، ليشكلوا حوالي %17 من سكان العراق. وتم استعمال القضية الكردية في العراق كورقة ضغط سياسية من الدول المجاورة، فكان الدعم وقطع الدعم للأحزاب يعتمد على العلاقات السياسية بين بغداد ودمشق وطهران وأنقرة. وهو حقيقة يدركها جيداً الزعماء الأكراد. ففي مقابلة مع جلال الطالباني مع «بي بي سي» عام 2006، قال ان فكرة الانفصال عن العراق أمر غير وارد وغير عملي، لكون أكراد العراق محاطين بدول ذات أقليات كردية لم تحسم فيها القضية الكردية بعد، وإذا ما قررت هذه الدول غلق حدودها، فإن ذلك الإجراء يكون كفيلا بإسقاط الكيان المنفصل عن العراق. لذا فمن غير الواضح إذا ما كان الأكراد سيواصلون خططهم للحكم الذاتي، أو يدفعون باتجاه كيان مستقل في حكم فدرالي عراقي.

تحدي خطر «داعش»
في الفترة الاخيرة زاد تأثير الأكراد في التطورات الإقليمية، إذ قاتلوا بشراسة تنظيم داعش، الذي شكل خطراً وجودياً عليهم وعلى ثقافتهم ولغتهم، رغم ان أكثرهم يصنفون مسلمين سنة.
ففي منتصف عام 2013، توجهت أنظار داعش إلى ثلاث مناطق كردية متاخمة لحدوده في شمالي سوريا. وأطلق التنظيم هجمات متكررة عليها، مما استدعى من وحدات حماية الشعب الكردي، وهي الذراع العسكرية لحزب الاتحاد الديموقراطي، التصدي لها، واصبحت هذه الوحدات تلقى دعماً غربياً، لا سيما من قبل الولايات المتحدة، الامر الذي اغاظ الاتراك، لا سيما بعد سقوط كوباني ودعوة وحدات الحماية الى تحريرها.
فالجانب التركي رفض حينها بروز وحدات الحماية كقوة عسكرية كبيرة قادرة على اداء المهمة وتحرير كوباني الحدودية من داعش، كما رفضت اقحام جيشها بمهاجمة التنظيم ولم تسمح لمواطنيها من الاكراد بالعبور إلى الأراضي السورية لمواجهته، خشية أن يتخذوا منها قاعدة لإطلاق هجمات على تركيا فيما بعد، مما أجج الاحتجاجات الكردية، وهدد حزب العمال الكردستاني بالانسحاب من مباحثات السلام مع الحكومة، مما حدا بأنقرة إلى تجهيز فصيل من الجيش السوري الحر لإدخاله إلى كوباني من الحدود التركية، بالاضافة إلى الاستعانة بالصديق الكردي الصدوق مسعود بارزاني الذي لبى طلب ارسال قوات من البشمركة بكامل عتادها عبر تركيا لقتال داعش في كوباني، والانسحاب فور تحرير المدينة الحدودية التي امست مدينة اشباح.
كان هدف انقرة منذ ذلك الوقت منع اظهار اكراد سوريا، لا سيما وحدات حماية الشعب كقوة ضاربة تحارب داعش، اضافة الى ارتياب انقرة الكبير من علاقة اكراد صالح مسلم مع النظام السوري، وسعيها الدائم إلى توفير الارضية الملائمة لسيطرة الجيش الحر وامساكه بزمام الامور، لا سيما بعد سياسة التطهير التي مارستها وحدات حماية الشعب في تل ابيض وعفرين وكوباني وغيرها مما أطلقت عليها اسم «روج آفا».

حلم غير قابل للتطبيق
في المحصلة، تبدو «كردستان الكبرى» حلماً غير قابل للتطبيق، لأسباب متنوعة اولها الرفض التركي، السوري، الإيراني والعراقي لقيام دولة تقطتع اجزاء من هذه البلدان وتشكل خطراً عليها، ثانيها ان الصراعات الداخلية بين الأكراد السوريين والعراقيين لم تسمح بشراكة حقيقية في المصالح. وستحدّد المعركة الحالية التي تدور رحاها على أنقاض العراق وسوريا إلى حدّ كبير التطلعات الكردية للاستقلال السياسي، لكن من دون ان تكون لهم دولتهم الموحدة والمستقلة.

مملكتان ودول عدة قبل الميلاد
بالعودة إلى التاريخ القديم تظهر ان هذه القومية كانت تمتلك دولة تلاشت بفعل احتلالات شتى. فالميديون الآريون هم أحد أهم جذور الشعب الكردي، والنشيد الوطني الكردي الحالي يشير بوضوح إلى أن الأكراد هم «أبناء الميديين» الذين استقروا شمال غرب إيران وأسسوا مملكة ميديا، قبل ان يتمكن الفرس بقيادة قورش بالإطاحة بهم. ثم عادوا واسسوا مملكة كوردوخ عام تسعين قبل الميلاد، وتحولت لاحقا بفعل الاحتلالات إلى الفرس. وبعد سقوط هاتين المملكتين تشكلت دول كردية عدة وكانت حدودها واستقلاليتها تتفاوت حسب التحالفات والضغوط والصراعات الخارجية والداخلية ومن الأمثلة: الدولة البرزيكانية والدولة الشدادية، والدولة المروانية والدولة السورانية.

معنى «البشمركة»
هي الميليشيات الكردية المقاتلة من أجل استقلال كردستان منذ سقوط الإمبراطورية العثمانية في نهاية الحرب العالمية الأولى، وتعني «الذاهبون إلى الموت» في اللغة الكردية. وهي من المصطلحات المهمة عند الشعب الكردي وتطلق على من يعمل بنكران الذات مضحيا بحياته من اجل حرية وحقوق شعبه العادلة. من الناحية اللغوية تتكون من كلمتين، بيش وتعني أمام ومرك تعني الموت.


تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات