آخر التحديثات عن فيروس كورونا في الكويت

99434

إصابة مؤكدة

584

وفيات

90930

شفاء تام

خبراء يستعرضون الحرب وتعقيداتها.. سوريا «تتجه نحو الأسوأ»

حقيقة بسيطة لا تتغير في حرب سوريا هي أنها عصية الحل عنيدة أمام كل محاولة. فعلى الرغم من تعدد الهجومات ومؤتمرات السلام والتدخلات الأجنبية، فيظهر أن المؤشر الوحيد الذي تتحرك إبرته هو مؤشر معاناة السوريين الذي لا يتحرك إلا في اتجاه واحد: نحو الأسوأ.
واستعرضت صحيفة نيويورك تايمز مع خبراء الحروب ما يجري وما سيجري مستقبلاً، وفي هذا السياق تكشف الأبحاث الأكاديمية أسباب ديمومة الحرب إن أخذت كل تلك الدراسات معاً بعين الاعتبار. ففي المتوسط الحروب من هذا النوع تدوم عقداً من الزمان، أي ضعف فترة الحرب السورية حتى يومنا هذا. ولكن ثمة عوامل من شأنها إطالة هذه الحروب وزيادة درجة عنفها وتعقيدها، فيستعصي إنهاؤها أكثر فأكثر. ونظرياً جميع هذه العوامل موجودة في سوريا.

كثير من هذه العوامل مرجعه إلى التدخلات الأجنبية التي كان القصد من ورائها إنهاء الحرب. بيد أنها بدلاً من ذلك أغرقت البلاد في المستنقع وأوصلتها إلى درب مسدود. أضف إلى ذلك أن المعركة هي متعددة الأطراف لا حرب طرفين اثنين، ما يعيق التوصّل إلى حل.
وعن وجود أي صراعات وحروب تاريخية مشابهة لسوريا في دينامياتها وتفاعلاتها، أطرقت الأستاذة باربرا والتر من جامعة سان دييغو الخبيرة في مجال الحروب الأهلية هنيهة ثم فكرت ببضعة احتمالات، ثم هزت رأسها في استسلام. لا حرب تشبه الحرب السورية في التاريخ كله. «إنها حقاً وفعلاً حالة عويصة».

حرب لا تعرف الكلل
في معظم الحروب الأهلية أن تنتهي بخسارة أحد الطرفين، إما بالهزيمة العسكرية، وإما باستنزاف واستهلاك كل أسلحته، وإما بخسارته للدعم الشعبي ما يجبره على الاستسلام. نحو ربع الحروب الأهلية انتهت باتفاقيات سلام. كان من الممكن أن يحدث ذلك في سوريا، فالطرفان الأساسيان في النزاع (النظام والمعارضة) كلاهما منهك، ولا سبيل لهما لمتابعة القتال وحدهما من دون مساعدة. ولكن المصيبة أنهما ليسا وحدهما، بل يقف وراء كل طرف فريقُ دعم من القوى الأجنبية يضم الولايات المتحدة وروسيا وإيران والسعودية وتركيا؛ تدخلات جميع هذه الدول عطّلت سير قواعد وقوانين الطبيعة.
قوى النظام والمعارضة مدعومة من الخارج بالإمدادات، أي أن عتادها لا ينفد. كذلك يستمد الطرفان دعمهما السياسي من حكومات أجنبية ليست متضررة م ن الحرب تضرراً مباشراً ولا تشعر بكلفتها الباهظة إلا عندما يحاول بعض الأشخاص محلياً الحث على إجراء محادثات سلام لإنهاء معاناتهم وألمهم. وهذه التكلفة المادية والبشرية سهلة جداً على القوى الأجنبية الغنية التي تطيق تحملها بكل يسر.
من هنا وجد جيمس فيرون الأستاذ في جامعة ستانفورد أن دراسات كثيرة خلصت إلى أنك «إن كان لديك تدخل خارجي على كلا الجانبين فستستمر الفترة أطول بكثير».

لا رابح ولا خاسر
الأطراف الخارجية الداعمة لا تعطل آليات السلام فحسب، بل تعزز لدى كل طرف آليات الثبات على موقفه والإصرار على المضي قدماً في القتال، فيتعقد الطريق المسدود أكثر لأن الميزان لا ترجح كفته لأي من الطرفين. فكلما تعرّض أحد الطرفين لخسارة على أرضه عاجله داعموه الأجانب بمزيد من التدخل لمصلحته بإرسال المدد والدعم الجوي كي لا يخسر ويميل عليه الميزان؛ ثم يحقق ذلك الطرف بضعة أرباح، فيلتفت الطرف الآخر إلى وكلائه الداعمين الأجانب بدوره طلباً للعون وزيادة في الإمدادات. كلما طلب أحدهم عوناً جاءه الدعم أقوى من ذي قبل، ما يزيد من عجلة آلة القتل لكن من دون أي تغيير في ميزان القوى الأساسي.

قصة سوريا من البداية
في نهاية 2012 مني النظام ببعض الخسائر تدخلت إيران لمصلحته، ثم مع بداية 2013 انقلب الميزان لمصلحة النظام، فجاء المعارضةَ الدعمُ من دول الخليج، ثم بعد مرور الوقت دخلت الولايات المتحدة وروسيا في المعمعة، وهذه القوى الأجنبية على درجة من القوة لكي تتكيف مع كل تصعيد تقريباً، وليس بمقدور أي منها تحقيق نصر كاسح على الأخرى.
تقول والتر «نظن أن هذا أسوأ ما يمكن أن تصل إليه الأمور، لكن لا فالأمور قد تسوء أكثر من ذلك بكثير».
اقتراف الفظاعات
وقد شهدت سوريا مجازر مدنية متكررة على كل الأطراف، مدفوعة ليس بدافع الحقد فقط بل بشيء أكبر من ذلك: الحوافز الهيكلية. ففي معظم الحروب تعتمد قوات القتال على الدعم الشعبي لنجاحها. إن هذه «الـمنطقة البشرية» كما يسميها خبراء مكافحة التسلح تمنح كل الأطراف دافعاً كي تحمي المدنيين وتقلل من الفظاعات المرتكبة، وهو ما حسم الأمور في أحيان كثيرة.
لكن في سوريا التي يعتمد فيها النظام ومعارضته على الدعم الأجنبي فالعكس تماماً هو الحاصل وفق ما يراه علماء وخبراء السياسة ريد وود من جامعة أريزونا الحكومية وجيكوب كاثمان من جامعة نيويورك الحكومية في بوفالو وستيفن جينت من جامعة كارولاينا الشمالية.
فلأن مقاتلي سوريا يعتمدون على الداعمين الأجانب بدلاً من السكان المحليين، لذا ليست لديهم أي حوافز لحماية المدنيين. والواقع أن هذه الدينامية هي التي تحول السكان المحليين الى تهديد محتمل، بدلاً من أن يكونوا مصدراً ضرورياً للقوة البشرية.
فقد وجد الخبراء الثلاثة أن هذه الحوافز تدفعهم «لاستخدام العنف الجماعي والارهاب لتشكيل سلوك الشعب»، أي أن الصور التي نراها من أمهات وأطفال قتلى قد لا تمثل ضحايا أبرياء وقعوا في مهب الريح، بل هم أهداف مقصودة متعمدة قتلوا ليس بدافع القسوة أو التوحش، بل بدافع الحساب التكتيكي بدم بارد.
الهجمات والغارات العنيفة على المدنيين، التي لا ترحم شيخاً ولا طفلاً، تتسبب بمخاطر على المدى القصير، لكنها تعود أيضاً بنفع كبير، فهي تخلخل سيطرة العدو أو الدعم الشعبي له، كما قد تهدئ من خطورة تهديدات محتملة، ونهب المصادر وغيرها.

الخوف من الهزيمة يبقي المراوحة
غياب التيقن كذلك أفضى الى هذا الطريق المسدود، فلا أحد متيقن من كيف ستبدو سوريا بعد الحرب ولا كيفية الوصول الى هناك؟ لكن الكل يستطيع تخيل أن يؤول الوضع الى أسوأ. هذا هو السبب في استدامة الوضع الحالي، وتفضيله في أعين المحاربين، لأن همهم هو الحفاظ على ما في يدهم لا المخاطرة به لتحقيق أهداف أكبر.
فكما يقول البروفيسور فيرون من ستانفورد: «منع الطرف الآخر من الربح أهم من أن تحقق أنت أي ربح». كل قوة أجنبية تفهم وتدرك أنها لا تستطيع الفوز، ولكنها صراحة تخشى أن ينتصر الطرف الآخر، لأن ذلك فوق طاقة احتمالها. فالسعودية وايران مثلاً تريان في سوريا معركة ضمن نزاعهما الاقليمي على السلطة، وخسارة هذه المعركة قد تهدد أنظمتهما، وفقاً لنيويرك تايمز.
حتى لو تأذى الجميع على المدى الطويل من الارهاب، فإن مخاوف المدى القصير من الهزيمة هي ما يدفع بالجميع نحو المحافظة على هذا التعادل الأبدي في ميزان المعركة.
وتزيد هذا الوضع بشاعةً ديناميات صناعة القرار ضمن التحالفات الهشة، التي تجمع عدة لاعبين، لدى كل منهم أجندته وأولوياته الخاصة. وكثيراً ما يجمع هؤلاء أمر واحد يتفقون فيه، ألا وهو رغبتهم في تلافي الهزيمة، وهي استراتيجية العامل المشترك الأصغر.
ثمة أسباب تدعونا الىالاعتقاد بأن روسيا مثلاً قد ترغب بتنحي الأسد أو على الأقل في تقديمه بضعة تنازلات من أجل السلام. لكن ليس بوسع روسيا إجباره على التصرف كما تشاء هي، كذلك لا يسعها مغادرة سوريا دون التخلي عن مصالحها هناك. أما الأسد في هذه الأثناء فلعله يمني النفس بتدخل روسي أكبر يحسم النصر لمصلتحه، وهو ما تتمنع موسكو في إعطائه إياه.
النتيجة: يبقى الأسد في مكانه ومركزه فيما تتدخل روسيا فقط للإبقاء عليه هناك مبدئياً.

القتال لا الفوز
يعاني الطرفان المتحاربان ـ حكومة ومعارضة ـ من الضعف الداخلي على عدة أصعدة جعلتهما يفضلان التعادل مهما كان هذا التعادل مريعاً بدلاً من إحراز أي نتيجة أخرى حتى لو كانت في متناول اليد. يخشى العلويون من مجزرة عرقية إن لم يحرز الأسد نصراً كاملاً. وهذا يبدو غير وارد البتة والسبب في ذلك جزئياً هو مكانة أقلية العلويين التي لا تمنحهم أي شعبية ولا دعما شعبيا
يمكنهم من إعادة ترتيب الأمن والنظام إلا باستخدام العنف. لهذا يرى قادة سوريا أن التعادل هو أفضل طريقة لحماية العلويين. أما المعارضة فتعاني ضعفاً من نوع آخر؛ فهي منقسمة متشرذمة بين عدة مجموعات، وهو عامل آخر يطيل أمد الحرب ويضائل أي أمل في انتهائها سلمياً.
منذ عام 1945 الأمم المتحدة لم تنجح في إنهاء سوى ثلثي الحروب الأهلية ذات الطرفين، وربع الحروب الأهلية متعددة الأطراف. حرب سوريا معقدة مركبة متعددة الأطراف والأضلاع، فطيف معارضتها لوحده يضم مجموعات عديدة منها المعتدل ومنها ذو الطابع الديني ومنها الإرهابي ذو الصلة بالقاعدة وداعش، ولكل من هذه الأطراف أهدافه الخاصة التي تضيق فسحة الأمل وتزيد الشروط على أي اتفاقية سلام ممكنة. كذلك لدى كل من الأطراف دافعه الخاص للتنافس مع بقية الأطراف والتسابق على الموارد خلال الحرب وعلى التنازلات بعدها.
لهذا تميل المعارضة متعددة الأطراف إلى الفشل، فحتى لو أطاحت بالنظام الحكومي فسينتهي بها المطاف إلى حرب ثانية بين أنفسها.

مخاطر النصر
الطريقة الوحيدة لكسر الجمود في ميزان القوة والخروج من مأزق التعادل، هي في أن يظهر أحد الطرفين على الآخر ويتفوق عليه، لكن نظراً لأن حرب سوريا جرت أكبر قوتين عسكريتين في العالم، روسيا وأميركا، فلعل إبرة المؤشر لن تتزحزح إلا باحتلال كامل.
وفي أفضل الأحوال سيعني هذا احتلالاً مشابهاً لاحتلال أميركا للعراق أو لأفغانستان. أما أسوأ الأحوال فهو احتلال منطقة حرب ينشط فيها عدة خصوم أجانب، مما سيشعل فتيل حرب إقليمية كبرى.
لكن طريقة أخرى في إنهاء حرب كهذه قد يكون بتغيير أحد الداعمين الأجانب لسياسته الخارجية وقراره الانسحاب، مما سيسمح للطرف الآخر بتحقيق فوز سهل. ولكن في سوريا ونظراً لأن كل طرف تدعمه عدة قوى أجنبية فإن المطلوب انسحاب كل داعمي هذا الطرف في الوقت نفسه.

 لا عرّابين للسلام
عادة ما تنجح أو تخفق اتفاقيات السلام بسبب قضية من سيسيطر عسكرياً ومن سيتحكم بقوات الأمن. في سوريا هذا سؤال لا جواب له.
وليست القضية قضية جشع للسلطة، بل أزمة ثقة. فبعد حرب قتل فيها 400 ألف شخص يخشى المقاتلون طبعاً على حياتهم إن تمكن الطرف الآخر من إحراز قدر كبير من القوة. من جهة أخرى إن اتفاق سلام يمنح الطرفين قوة عسكرية متساوية سيشكل خطورة إمكانية العودة إلى الحرب من جديد. كذلك الوضع إن سمح للمعارضين الاحتفاظ بسلاحهم واستقلالهم، فهذا درس تلقنه العالم أجمع من ليبيا.
في الوقت ذاته لا بد من وجود قوة مسلحة تعيد الأمن وتطهر الأرض من أي تجار حرب أو ميليشيات مرتزقة تتاجر بالحرب. ودرجت العادة أن تضطلع بهذا الدور منظمة أو دولة أجنبية كالأمم المتحدة كي ترسل قوات حفظ السلام، لكن من هي الدولة التي ستتطوع برجالها ومواطنيها كي يحتلوا سوريا إلى أجل غير مسمى، خصوصا في ظل قصة أميركا وحكاية تجربتها في العراق؟.
إن أي قوة أجنبية ستصبح هدفاً يستهدفه الجهاديون الإرهابيون، كما سيتعرض جنودها إلى غارات على مدى عام قد يكلفها خسارة مئات أو آلاف الأرواح.

الانزلاق نحو الكارثة
يقول الأستاذ فيرون بينما يعدد السيناريوهات التي يستحيل أن تنتهي بها حرب سوريا: ان أفضل الأحوال سيكون إن تمكن أحد الأطراف من إبطاء إيقاع الحرب شيئاً فشيئاً حتى إحراز نصر بعيد الأمد، وبذلك تهدأ الحرب تدريجياً لتصبح «قتالاً أخف وتيرة، وهجمات إرهابية متقطعة وما إلى ذلك». أما السيناريو الأسوأ، فهو طبعاً أسوأ بكثير.
فطبقاً لبحث أجرته والتر عام 2015 بالتعاون مع كينيث بولاك الخبير في الشرق الأوسط «عادة ما يأتي النصر العسكري في حرب أهلية على حساب تكلفة باهظة هي مستويات عنف مريعة ترتكب بحق المهزوم، تشمل سكانهم المدنيين».
وهذا قد يعود على الشرق الأوسط بصراعات جديدة حسب ما وجد الباحثان «فالمجموعات المنتصرة في حرب أهلية تحاول أحياناً أن تستخدم قوتها الجديدة ضد دول مجاورة، مما يفضي إلى حروب بين الدول.»
وهذا مطب ومنزلق لا يود أحدٌ الوقوع فيه، لكنه الاتجاه الذي يبدو أن أكثر المشاركين في حرب سوريا من أجانب ومحليين يسيرون باتجاهه. لعل أسوأ الأيام هي التي لم تأت بعد.


تعليقات

التعليقات:

}
اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات
    view tracking