نجوى قاسم: أشعر بالإهانة عندما يقال لي .. أنت امرأة
دبي ـ أحمد ناصر
أؤمن كثيرا أن الأيام والحوادث تصقل الإعلامي وتدفق موهبته وتعلمه ما لم تعلمه الدراسة الأكاديمية والجامعات، ولكن أن تكون الخبرة والحادثة قصفا بالمدافع والنيران وطائرات ال ف18 وسط حرب ضروس وأسلحة فتاكة وطرفين لا يعرفان الرحمة، ثم تنجو من القتل والاغتيال والخطف، وتصارع الجوع والخوف والوحدة والترقب، أعتقد أنها خبرة لا تحتاج إلى وصف.
نجوى قاسم، مذيعة متألقة عرفها الجمهور العربي وبالذات الكويتي من خلال شاشة 'العربية' وهي تتألق في نقل مباشر من داخل الأراضي العراقية أثناء الحرب على العراق عام 2003، وقبلها عرفها الجمهور العالمي في جبال تورابورا وضواحي كابول وقندهار، ثم في تغطية محاكمة الطاغية صدام حسين، ولكن الكثير من هذا الجمهور لم يعرفها كما عرفتها من خلال لقائي بها في مبنى 'العربية'.
أجمل في الواقع من الظهور على الشاشة، بشوشة تأسرك بابتسامتها، وتقلقك بحوارها، وشرب فنجان من القهوة معها يعني لك الكثير من الثقافة، تعرضت للقتل وحملت قتلى وجرحى وأسعفت مصابين وتلطخت بدمائهم ودمر المبنى وخرجت من تحت أنقاضه.
هل يمكن أن تعيش فتاة رقيقة مثلك وسط النار والحديد وهدير الدبابات، هذا ليس بعدل؟
أنا التي أسألك، كيف لإعلامية تحب الإعلام وتعشقه أن لا تعيش في مثل هذه الظروف، إن الأوضاع اليوم تختلف اختلافا كبيرا عن السابق حيث كانت مذيعة الأخبار تجلس في الأستديو وتقرأ الأخبار ثم تعود إلى بيتها، اليوم الأمر مختلف تماما، أصبحت المذيعة مسؤولة عن الأخبار التي تقرأها، وأقصد بذلك الإلقاء الذي يشاهده المشاهد على الشاشة، كما أنها اليوم أصبحت تنافس الرجل في ميادين الحروب والقتال والصراع الدولي.
إعلام حر
هذا واضح جدا، من يرك على الشاشة لا يعتقد أبدا أنك كنت في العراق وأفغانستان لتغطي أحداث الحرب هناك.
الإعلام اليوم إعلام حر، ومنفتح على العالم كله، وأصبح المشاهد ينتظر الأحداث الحقيقية أولا بأول، تخيل أن المشاهد اللبناني يجلس في بيته ويشاهد نقلا على الهواء تغطية تحرير الجنوب اللبناني من الإسرائيليين، أليس علينا دور كبير نؤديه.
بدأت الانطلاقة الأولى من تلفزيون المستقبل، ما الذي أوصلك إلى الMBC ، هل أصبحت تتعاملين بمنطق الاحتراف ومن يدفع أكثر؟
من حق المذيعة أن تتعامل بهذا المنطق، لأن العمل الذي تقوم به ليس سهلا ولا هينا، كما أن الإعلام اليوم مهنة حساسة ومطلوبة في كل مكان، ولكنني لم أنتقل من تلفزيون المستقبل إلى ال MBC لهذا السبب، بل انتقلت لأنني مللت من المحلية، وأريد أن أخرج إلى العالمية، في المستقبل سأبقى في لبنان وأحداث لبنان، أما في ال MBC فإنني أعمل في كل أنحاء العالم، في تلفزيون المستقبل أسسنا قسم السياسة، وتعلمت الأساس الحقيقي للعمل الإعلامي عام 1992، ولكن لا بد أن أطور وأوسع مداركي وعملي.
وما الذي أدخلك عالم السياسة الشائك، أنت مهندسة ومكانك بين عارضات الأزياء وليس بين الجنود والعسكر؟
هذا من ذوقك العالي، ولكن اللبنانيين تربوا على السياسة، وجيل الحرب كلهم حزبيون، ومنذ نعومة أظفاري تربيت على نشرات الأخبار والمواجيز وأحداث العالم المختلفة المتنوعة، بصراحة.. ماذا لدينا في العالم العربي غير الحروب والمشاكل، منذ ولدت وأنا أسمع حروبا في المنطقة.. كيف تستغرب إذن أن أدخل عالم السياسة والأخبار، هل تريدني أن أصبح طبيبة في عالم لا يعرف كيف يخيط الجرح الغائر؟!
حلم سحري
ولكن بدايتك كانت في مكان آخر بعيد تماما عن الإعلام.. كيف تغير اهتمامك وحلمك السحري ليكون في مكان آخر؟
نعم بدأت في الهندسة المعمارية، وأنا مهندسة معمارية.. ودخلت الإعلام برغبة من والدتي ولكنني وجدت نفسي فيه، أنا أحب الأخبار كما قلت لك منذ صغري، وعندما أبحرت في عالم الإعلام وجدت نفسي أجيد العوم والسباحة، ولا تخيفني الأمواج العالية ولا الأهوال العاتية، بل إنها تزيدني قوة وإصرارا على مواصلة العمل.. هذا قدري أن أكون إعلامية.
هل اخترت موضوع محاكمة الطاغية صدام حسين لأنه يقربك من العالمية وحبا بالشهرة؟
نعم أنا اخترت أن أكون في برنامج محاكمة صدام حسين، ولكن ليس للشهرة بالطبع، فمذيعة الأخبار الآن أصبحت لها مكانتها المرموقة التي يحسدها عليها الآخرون، ولكنني أحب هذه النوعية من البرامج.. ليس بسبب الشهرة ولكن لأنني أحب ان أتميز بعملي، ولدينا في العربية قسم لهذه البرامج الخاصة، ولي دور كبير فيها وفي تفعيلها، وأعتقد أن هذه النوعية من البرامج لها جمهورها الخاص ولها بريستيجها الخاص كذلك.
هل تودين أن تقرئي خبر إعدام صدام حسين أم لا؟
لا يهمني أن أقرأ خبر إعدام صدام حسين من عدمه، ولا أفكر في ذلك.. ولكنني أفكر في ما سيحدث بعد ذلك وكيف سأقوم بتغطية الأحداث التي ستعقبه، وضعت سيناريو خاصا بي بناء على خبرتي في الأحداث وفي العراق حول ما سيحدث إذا حكم عليه بالإعدام أو نفذ الحكم، ووضعت لي برنامج عمل حول ذلك.
هل يمكن أن نعرف منه شيئا؟
بالطبع لا، أنا آسفة.
كيف تغامرين بالذهاب إلى أماكن الأحداث الساخنة، ألا تعتقدين بأن هذه الأماكن لا تناسب المرأة؟
أقولها لك بصراحة، أشعر بالإهانة عندما يقول لي أحد بأنني امرأة ولا تناسبك هذه الأماكن، أنا خاطرت في كل مكان يتخيله إنسان ولم يقلل من أنوثتي ولا من حقيقتي كامرأة، ومن يقل هذا الكلام لا يحترم المرأة ولا يقدرها حق قدرها، المرأة كالرجل في كل شيء.. حتى في ركوب الخطر، من تر نفسها أقل من الرجل تقلل من شأنها الشخصي وليس من المرأة، ذهبت إلى أفغانستان والعراق وجنوب لبنان، ودخلت بغداد وتعرض المبنى الذي أجلس فيه للقصف والتفجير، وما زلت أقول إنني سأذهب إلى كل مكان لتقديم الحقيقة للمشاهد العربي.
إبداع
ربما لأنك غير متزوجة، والحرية تساعد على الإبداع، مارأيك؟
الزواج لا يمنع المرأة من العمل، ولا يحد من حريتها، فإذا فعل فإنه زواج غير صحيح أو لنقل غير سليم، لأن الزواج مشاركة وليس سجنا للمرأة أو الرجل، ومن يتقدم لي للزواج عليه أن يعلم أنني اعمل في مجال الإعلام ولن أتخلى عنه لأنه قدري.
أين كنت ساعة الانفجار الذي وقع لمبنى العربية في بغداد؟
كنت في القاعة الوسطى أشرب القهوة، ولكنني كنت أجلس بين نافذتين أي خلفي حائط، وعندما وقع الانفجار لم نكن نتصور أو نتخيل أن هذا سيحدث ولم نكن نتخيل أنه بهذه الصورة المرعبة، أحسست أن العالم كله يتحول إلى رماد، المشكلة أنني مهما وصفته لك فلن تعرفه.
كيف خرجت منه سليمة؟
الله وحده هو الذي أنقذني من الموت.
لابد أن تتعرض الفنانات والمذيعات مثلك للتهديد، فهل تعرضت لذلك؟
نعم، تعرضت للعديد من التهديدات، بعضها مباشر والبعض الآخر غير مباشر، ولكنها كلها باسمي.
( قاطعتها ): من أي جهة؟
لا أعرف، ولكنها تهديدات حقيقية مباشرة، اعتقدت في البداية أنها مجرد شكليات، ولكن عندما تعيش في العراق ستعلم أنها ليست مجرد كلمات توجه إليك، ولكنها تهديدات حقيقية.
قناعة
وهل أثرت فيك أو أخافتك؟
بالطبع تؤثر في، ولكنني سأظل أعمل ولن ترعبني هذه التهديدات، كما قلت لك الإعلام قدري ولا يستطيع أحد أن يهرب من قدره، وأعتقد أن جميع المذيعات اللواتي يؤمن بعملهن لديهن القناعة نفسها في أجهزة إعلام عربية.
ألا ترين أنك تضيعين وقتك؟
(باستغراب): لماذا؟!
لأن المشاهد العربي لا يزال على قناعته القديمة بأن ما يعرض على القنوات العربية ما هو إلا تمثيل، ولا يؤمن بأنها تقدم له الحقيقة، أليس كذلك؟
المشاهد العربي مشحون ولديه قناعاته الخاصة به التي تولدت لديه من خلال الصراعات والإحباطات الكثيرة التي مر بها في العالم العربي، ولكن ما ذكرته في سؤالك يمكن أن يكون صحيحا في ظل القنوات الحكومية والقطاع العام الذي كان يسود الوطن العربي إلى ما قبل عشر سنوات تقريبا، أما الآن ومع انتشار القنوات الخاصة لا أعتقد أن ما تقوله صحيح، لأن دخول القنوات العربية إلى القطاع الخاص فتح لها بابا واسعا من العمل وأفقا رحبا من العمل من دون قيود، أنا معك في أن الأخبار العربية تراعي الكثير من الأمور وعشرات الاحتمالات الواردة لصعوبة الأوضاع المحيطة بها، ولكن هذا لا يقلل من قيمة الخبر الذي تقدمه المحطات العربية.
أي خبر تقصدينه، المحطات العربية لا تزال ناقلة للخبر وليست صانعة له.
ومن الذي قال ذلك، تعرضنا للقتل والاغتيال، وهددونا بالموت وطاردتنا أشباح الظلام وخفافيش الليل، وواجهنا الثوار والجيوش، ووقعنا بين نيران الأطراف المتقاتلة، ثم تقول إننا لا نصنع الخبر، ماذا نفعل إذن هناك ولماذا نواجه الموت في كل لحظة، أخالفك الرأي تماما، القنوات العربية الإخبارية اليوم مصدر مهم من مصادر الخبر في المنطقة، وأتطلع إلى العالمية.
من تتمنى نجوى قاسم أن تحاوره بعد 15 عاما في عالم الأخبار والإعلام السياسي والخبرة العملية في تغطية أماكن الأحداث الساخنة؟
أتمنى أن أحاور صدام حسين بعد الحكم عليه، سياسيا لا يهمني صدام، ولكن مهنيا أتمنى أن ألتقي به وأحاوره بصراحة، كما أتمنى أن أحاور بيل كلينتون لأنه وسيم فقط.


تعليقات

التعليقات:

WhatsApp
اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات
    view tracking