وصلت إليّ عبر الواتس أب صورة لهاتف قديم كان يُستخدم في السبعينات والثمانينات، حينما كنا نجري المكالمة الهاتفية من خلال إدارة القرص لسبعة أرقام، كل رقم يأخذ دورة كاملة، حينما تأملت الصورة تنهدت بعمق. تذكرت كيف كانت سعة الصدر عندنا وطول البال، عندها، أيضاً، انتبهت إلى أننا لا نجد أي غضاضة في الانتظار والصبر، فمثلاً عند تحميض أفلام الكاميرات واستخراج الصور كنا ننتظر يومين كاملين من دون ضجر، وكذلك عند إعداد الوجبات للغداء والعشاء كنا نستمتع بالانتظار، حيث كنا نسمع طرطشة الزيت أولاً، ثم نشم رائحة الطعام تسري إلينا، ثم يتم تقديم الطعام ولا نجد أي ضيق في الانتظار. أما الآن، فإن الإقبال على الوجبات السريعة، بل إن التمايز يكون في المطعم الأسرع في تقديم الوجبة، هنا أتساءل: تُرى ما آثار توفير الخدمات السريعة علينا؟! سؤال انقدح في ذهني حينما شاهدت تلك الصورة لجهاز الهاتف القديم.
كلنا يعلم أن العادات والمهارات تتشكل بالتدريب تراكمياً على المدى البعيد، ومع الممارسة المستمرة تتكون العادة وتصقل المهارة، أجد أن توفير الخدمات السريعة جعل إيقاع حياتنا سريعاً وهذا أفقدنا أهم ميزة يجب أن نتحلى بها وهي الصبر وعادة طول البال.. تذكرت استبياناً أعدته البي بي سي، وهو مقارنة بين أربعة عوامل ساعدت المتميزين والناجحين على التميز والنجاح، هل: المال، الجمال، الذكاء، أم الصبر؟ فكانت النتيجة المذهلة ان الصبر العامل المشترك الثابت عند كل المتميزين على مر خمسين عاماً مدة إجراء هذه الدراسة التي توصلت إلى هذه النتيجة.
الجمال في التطور، وفي نمو المتع البشرية، وفي سرعة توفير الخدمات، كل ذلك يجب أن يواكبه وعي وحذر من ألا يفقدنا من تطور قدرات وإمكانات الإنسان نفسه، في مشاعره وعاداته ومهاراته، وألا ينسينا ترطيب أرواحنا وحمايتها من الانكماش والجفاف، لذلك جاءت العبادات لتهذيب الروح وإنعاشها وإنقاذها من ذلك، فالصيام مثلاً لتعليم المسلم وتعويده على الصبر والتروي، والصلاة خمس مرات محددة بوقت معين كأنها مواقيت لإعادة شحن الروح والنفس على مدار اليوم وتدريبهما على المواظبة والاستمرارية في سكينة وهدوء.
قال تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِين}.
الصبر عدة كل صاحب هدف ومشروع، التسلح بالصبر أهم ما نواجه به تحديات الحياة وتحقيق الإنجازات والتميز.
إننا نلاحظ الأطفال، وأنا عندي قناعة بأن الأطفال أكثر من نتعلم منهم، فهم على الفطرة والبراءة اللتين لم يعكر صفوهما تلوث الحياة، نلاحظ أن الطفل يتناول طعامه ببطء، ويرتدي ملابسه بهدوء، وينتعل حذاءه بتأن، ولا يخرجه من عاداته الهادئة الجميلة تلك إلا حينما نزأر عليه بوحشية والغضب يتطاير من أعيننا نطالبه بالعجلة فنقول «استعجل يا ولد».

سعاد الدبوس

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات