وصف الكاتب الكبير محمود السعدني، يرحمه الله، الإنسان «الزلنطحي» بصفات عديدة، اخترنا منها، على سبيل المثال لا الحصر، أنه الذي لا يتوانى عن أي فعل في سبيل تحقيق أهدافه وأحلامه، بما فيها قلب الحقائق ليبرر أخطاءه وتحميلها لغيره، ويكون هو في السليم دائماً، ومنها أيضاً أن يلجأ إلى الصراخ والصوت العالي، ويسوق الاعذار والمبررات لتغطية موقفه، وإقناع الآخرين بسلامة موقفه، وأنه مظلوم ومجني عليه، وأن الناس هم من يظلمونه ويتجنون عليه.
الزلنطحي في الأساس هو مواطن عادي، وأحياناً أقل من العادي، فلا صيت ولا مميزات خارقة، وقد تخدمه الظروف وأشياء أخرى فيلمع ويرتقي، ويصبح قيادياً أو حتى وزيراً، ويطلق على سلوك الزلنطحي مسمى الزلنطحة، وهي في الأساس جملة أفعال مسموعة ومرئية، ولكن هناك من ابتكر نوعاً مختلفاً وجديداً من الزلنطحة، يتناسب ومتطلبات وبريستيج وطبيعة المصلحة المترتبة على الدرجة، التي ينتقل إليها، فيسخرها لمدة بقائه فوق الكرسي، حتى وإن كان باللف والدوران وليّ أعناق الحقائق من خلال سلطانه الإداري على من هم تحته، من أجل إظهار الأمور للرأي العام بغير ما هي عليه في الحقيقة، وبغير ما يثار، حتى وإن كان على حساب الناس وأوجاعهم ومظالمهم.
والزلنطحي يتسم في الغالب بـ«الطأطأة» والافتقار إلى عامل المواجهة، عندما تكون المقاضب عليه كثيرة، لذا فمهما «تزلنطحت» عليه الدنيا وصاحت وفاحت بفضائح مالية وإدارية، واختلاسات وتزوير، فلا يكترث لها لكونه من المؤمنين بمقولة فيلمون وهبي يرحمه الله «خربت عمرت نزلت طلعت حايدة عن ظهري.. بسيطة..»، كأنه يفتقر أيضا إلى فضيلة الاعتراف بالخطأ وشجاعة الموقف، وينخرط بسوق المبررات وتبسيط الأمور للرأي العام، ويختزلها في لجنة أو فريق عمل، وهو يعلم أن الناس يدركون تماماً أن المشكلة هي في تواضع إمكاناته وقدراته الإدارية ومنهجيته المتصلبة، التي لا تتناسب وطبيعة المسؤولية وحجمها. لذلك تراه يفسح المجال واسعاً للتنفيع والمحسوبية للتغطية على أخطائه، ويبقى صامداً رغم كل شيء، متأسياً بمقولة يا جبل ما يهزك ريح، متحصناً أولاً بمن يهندس له التخريجات المناسبة، وثانيا بمن يوفر له التغطية الرسمية المطلوبة عند الضرورة من مكمن المراقبة والمساءلة والمحاسبة، لقاء ترضيات مختلفة، بترسيات وتوريدات مباشرة، أو تعيينات لأقارب ومعارف ذوي الدعم والمساندة، أو بسياحات نقاهة باهظة وخلافها، فالكرسي عزيز وصاحب فضل، ويستحق كل تقدير، والشيء لزوم الشيء، بينما تُقطع السبل بالمستحقين والاستقواء بالانتقام من موظفين محسوبين على خصومه ومنتقديه، بتجميد هذا أو نقل لذاك، أو إنهاء تعسفي لخدمة لآخر. كلامنا عام وليس لأحد ما بعينه، ومن وجد أنه ضمن دائرته يكون من باب «كاد المريب أن يقول خذوني».. والله المستعان.
نكشة: المناصب والكراسي هي كالبشر.. لها إقبال وشباب، ولها شيخوخة وإدبار وزوال، ولن تدوم إلا العلاقة بالناس، وكل نفس بما كسبت رهينة، ولن يجد من التقدير والاحترام إلا بما قدم لهما.

عادل فهد الطخيم

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات