ذكر الشيخ فهد العبيد، يرحمه الله، قصة قديمة حدثت في مدينة بريدة في المملكة العربية السعودية. فقد اشتكت عجوز حساسية في يديها فبعثت بإناء سمن من غنمها مع ولدها الى الشيخ الورع ابراهيم بن حمد الجاسر من علماء بريدة، ليقرأ عليه بنية شفائها، فقال له الشيخ: «هذاك أول يا ولدي، اليوم أنا قاضي عند بن رشيد وما عادت قرايتي تصلح! ولكن رِح للشيخ الفوزان بالمظلّل في الخضيرا (جنوب بريدة) لأنهم يزرعون ويأكلون من مزرعتهم». ذهب الولد للشيخ الفوزان فقال الشيخ له: «لو انك جايني قبل 3 أسابيع قريت لك، لأن عليّ دين لابن غنام٧٠ ريالاً وما وفيتهم، ولكن رِح للشيخ بن بطّي بالصباخ غرب خضيرا ويقرأ لك». ذهب الولد للشيخ بن بطي فوجده يزعب الماء من البئر بيده وقد أطلق البقرة، فقال الولد له: «يا شيخ ليه ما تزعب الماء بالبقرة؟» فقال: «البقرة هالايام طايحة بعلف وبرسيم ابن خضير، والعافية اللي انت تشوف بها والحليب لابن خضير، فإذا حلبها واستوفى أجر ما أكلت من زرعه نسقي بها إن شاء الله»، فاعطاه اناء السمن فقرأ له.
رحمة الله عليهم جميعاً، هكذا عاشوا وماتوا في مراعاة الله في حقوق عباده، وفي كل ما يدخل في جوفهم. إنهم لم ينكروا العمل في الدولة ولا ما يكسبونه لقاء عملهم فيها، ولكنه الورع والتقوى في معيشتهم وتعاملاتهم مع الناس ما استطاعوا إليه سبيلا.
تذكرت هذه القصة في ظل ما تطاير من كلام نتمنى ألا يكون حقيقة فتشكل جريمة أخلاقية وإدارية بحق المدينين، لا سيما الخاضعون للقانون 93/41، حول وجود مافيا عقارية امتهنت منذ سنوات نشاطا استحواذيا على أصول المدينين المرهونة لمصلحة الدولة وفق آلية محددة وربما بأسعار أقل من السوق %10 - %15 عبر وسطاء محددين، بذريعة وجود تفويضات بالبيع من دون الرجوع للمدينين، ولو إشرافياً لتحسين شروط البيع، وأن هذا النشاط الاستحواذي يمتد إلى حد إحباط أي مساعٍ تبذل بشأن بيوت السكن الخاص للمدينين والمرهونة أيضاً للدولة للاستحواذ عليها في مرحلة لاحقة لمواقعها الممتازة، رغم وجود قوانين تحول دون ذلك، القانون 1989/57، والقانون رقم 2008/9 بشأن تعديل بعض أحكام قانون الشركات التجارية رقم 1960/15، بحظر بيع وشراء ورهن بيوت السكن الخاص على جميع الشركات والمؤسسات الفردية. لا نعلم صحة المتطاير من الكلام، لكن هل أصبح المدينون حقاً مشاعاً لكل فاقد نخوة ومروءة، وكأنه لا يكفي المدينون ما هم فيه من ظلم منذ 30 سنة مع أسرهم وأحفادهم، وحتى الأموات منهم لم يسلموا من تبعاته دون وجود أي بارقة أمل تنهي معاناتهم المتعددة الجوانب. ألا يكفي خوفهم من مصادرة الدولة لسكنهم الخاص؟ ألا يكفي منعهم من السفر إلا بإذن قضائي ولا كيف يتصرف الواحد منهم، إذا ما اضطر تحت أي ظرف طارئ له أو لأحد من أقاربه للسفر في غير أوقات الدوام الرسمي للدولة؟ ألا يكفي منعهم من استخدام بطاقة الائتمان الشخصي وحق استقدام عمالة منزلية؟ ألا يكفيهم كل ذلك حتى يصبحوا سلعة لمن خلت ضمائرهم من مخافة الله وعقوبته.. والله المستعان.
* * *
• نكشة:
هناك دول تقرر تخفيف وإنهاء هموم المدينين من مواطنيها وأخرى مستمرة في زيادة معاناتهم وعقابهم.

عادل فهد الطخيم

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات