القاهرة ـ علاء طه
عن عمر يناهز 76 عاما توفي أبوالغناء الشعبي في مصر الفنان محمد رشدي صباح أمس بعد صراع طويل مع المرض دخل خلاله في غيبوبة استمرت ثلاثة أسابيع.
ولد رشدي لعائلة متوسطة في مدينة دسوق بمحافظة كفر الشيخ واستندت تنشئته إلى ثقافة دينية، حيث كان يسكن بجوار مسجد العارف بالله ابراهيم الدسوقي ـ وهو أحد أهم المساجد المصرية ـ وحفظ القرآن والتحق بالتعليم الابتدائي الذي مثل مرحلته الأولى في الغناء بعد ان كان يؤدي نشيد الصباح بصوته الندي.

والتحق الفنان محمد رشدي بمعهد الموسيقى عام 1950 تعلم خلاله أصول الغناء عندما درس التواشيح على يد الشيخ درويش الحريري والعود على يد منصور عوض، ولم يمض عامان على التحاقه بالمعهد حتى بدأ عمله في الاذاعة المصرية بعد ان سمعه الاذاعي علي فايق زغلول وأعجب به.

غنى رشدي لكبار الملحنين على رأسهم محمود شريف وأحمد صدقي ومحمد الموجي وخط لنفسه طريقة خاصة استطاع من خلالها فرض نفسه على الساحتين المصرية والعربية.


خلال نصف قرن التصق المطرب محمد رشدي بوجدان المصريين، وبأفئدة العرب لما تميز به من موهبة وحلاوة صوت، وقدرة على الاقتراب من مزاج السميعة بأغان شعبية تخلد البطولة، وتعلي من رموز المقاومين خاصة في فترة تحول المستعمرات بالعالم العربي إلي دول مستقلة في الخمسينات والستينات من القرن الماضي حيث غنى للجزائر واليمن وليبيا في الوقت نفسه الذي كان يتحف المصريين بملاحم غنائية على شاكلة «أدهم الشرقاوي».

وإذ يرحل اليوم أبو الغناء الشعبي المصري محمد رشدي فإن أغانيه لا ترحل، تبقى، وتدوم كبيان حالة لعقود من الغناء الأصيل، ولتجربة إنسانية تستحق الكثير من التوقف والتأمل : محمد رشدي محمد من مواليد الإسكندرية عام 1932 م، ومحل الميلاد وحده كاف للتنبؤ بما ستصير له موهبة غنائية بحجم محمد رشدي الذي ولد بأحد أحياء الإسكندرية الفقيرة التي كانت تعاني من ضربات الطيران المؤلمة إبان الحرب العالمية الثانية ويترقب أهلها المدمرة منازلهم بشغف ما ستسفر عنه المعارك بين الحلفاء والمحور.

موهبته بزغت كعشرات المطربين المصريين في هذا العصر بأتون الأفراح الملون، ووهج ليالي الملاح التي يقيمها التجار والبكوات والباشاوات بالضبط مثل أم كلثوم و محمد عبد الوهاب ومنيرة المهدية، وفي وقت مبكر انتقل إلى القاهرة عاصمة الطرب والفنون وغنى كمطرب شعبي بسيط في ملاهي عماد الدين وقصر النيل، وحينما قامت ثورة يوليو كان كمن وجد ضالته في مستقبل مشرق لموهبته تحفظ له الحد الأدنى لتحقيق أحلامه فتعصب لأفكار الثورة وعشق حتى النخاع جمال عبد الناصر، وظل هذا الحب مصاحبا له حتى أيامه الأخيرة، فقد كان دوما يردد: «كل مبدع هو جمال عبدالناصر، أنا عشت أيام الملكية وغنيت للإذاعة المصرية ولم يكن مضى على إنشائها15 عاماً، لكن الغناء بوعي وجمال وسلطنة لم أقدمه إلا أيام الثورة، ربما لأن الثورة ألهمتني روحا جديدة شعرت أن بداخلي شيئا تغير، وأنني تساميت على الشهرة والمال والسلطة، وشعرت أنني يجب أن أغني لناسي وأهلي، أن أغني شيئا له قيمة».

جيل الثورة

في عهد ثورة يوليو كان جيل فني كامل يولد من الموهوبين: مطربين، وشعراء، وملحنين، وكانت الدلائل تعلي من أسهم هذا الجيل: الموجي، وكمال الطويل، وبليغ حمدي، وعبدالرحمن الأبنودي، وصلاح جاهين، وعبدالحليم حافظ، ومحمد رشدي، وآخرين، فقد كان الضباط الذين على قمة السلطة تحت رئاسة جمال عبدالناصر يريدون محاكاة طبقة الأمراء والباشاوات في العائلة العلوية في اهتمامهم بالفن، وكانوا يريدون أن يلهم الفن الشارع باحتضان حركتهم الثورية، وان يتحول ذلك إلى إحدى الأدوات التي تعطي لانقلابهم على الملكية السلطة الشرعية.

محمد رشدي ربما لم يفكر مع الثورة بمنطق المكسب والخسارة فهو شخصية بسيطة للغاية محدودة الأفق، لكنه بذكاء فطري دار في فلك ما يحدث من دون تخطيط وبلا رغبة تذكر في التربع على عرش الأغنية في عصره، حقيقي انه صادق بليغ حمدي وعبد الرحمن الأبنودي لكنه لم يتعاط معهما من بوابة النجومية، وغنى أمام الرئيس جمال عبد الناصر في ثلاث مناسبات مختلفة من دون أن يحرص على مد أواصر صداقة معه ولا مع الضباط الثوار أو يشكو من أحد كما كان يفعل بانتهازية واضحة كبار المطربين في هذا الوقت، و من حادثة واحدة يتبن لنا مدى جدارته بلقب «الرجل الطيب» الذي كان يهوى الجميع الحديث به عنه ويحمل شفقة بأكثر ما يحمل هذا التعبير المصري الدارج من سخرية واستهزاء: ففي الستينات عندما غنى ملحمة «أدهم الشرقاوي» حققت نجاحا طاغيا وهو ما أثار المطرب نجم المرحلة والثورة والحبيبة عبـدالحليم حافظ، فاستشاط غيظا لسببين: الأول لنجاح الأغنية التي أخذت ترددها مصر من شمالها إلى جنوبها، والثاني لأن رشدي إسكندراني وعبدالحليم شرقاوي، وقال العندليب الأسمر الذي أجرى اتصالات مكثفة لمجاراة نجاح محمد رشدي والحد منه قال للموجي بالنص: «أنا وأنت شراقوة وإحنا أولى بالغناء لأدهم»، وطلب عبد الحليم من الموجي تلحين ملحمة عن ادهم الشرقاوي موازية لملحمة رشدي، ودفعا شركة عالم الفن لإنتاجها في فيلم هو «أدهم الشرقاوي» بصوت عبدالحليم فقط، وذلك منعا للمقارنة بينه ومحمد رشدي، ولم يتوقف عبدالحليم عند هذا الحد بل انه سعى لدى عبدالرحمن الأبنودي ولدى آخرين ممن ينتجون أعمال رشدي الشعبية الجميلة إلى إطلاعه على كل ما أعدوه لرشدي، واشتراه وغنى بعضه، وهو ما جعل رشدي يتراجع بل ويتوقف بعد أن قدم روائعه: «وهيبة»، و«عدوية»، و«بلديات»، ولم يجد من يقف إلى جواره سوى فريد الأطرش الذي كان هو الآخر في حرب ضروس مع عبد الحليم فلحن له أغنية واحدة وقتها هي «عشرية» من كلمات حسن أبو عثمان ولم تحقق أي نجاح يذكر.

والشاعر الكبير عبدالرحمن الأبنودي أحد الأصدقاء المخلصين والمقربين من رشدي على مدى 40 عاما قال عن نجاحه ورشدي في أعمالهما المشتركة في الستينات: «في هذا الوقت كان الاتجاه السياسي للدولة يسير نحو العمال و الفلاحين و الفقراء، في الوقت الذي بدأت كتابة أغنياتي الشعبية للمطرب محمد رشدي، وكانت الشعبية عندي تعني الإعلاء لصورة الإنسان الشعبي البسيط عندما قلت في أغنية عدوية: «واله صورتك دي تنفع تزين الحرانين»، والحقيقة أنا كنت معجب جدا بصوته، الذي كان يلهمني دوما بالكتابة له، إضافة إلى شخصيته الجميلة التي تشعرك دوما بالمسؤولية تجاهه».

حرب العندليب

وحاول رشدي أن يتغلب على الحصار الذي فرضه عليه عبدالحليم في مصر بالغناء في الدول العربية التي كانت تحبه والتي غنى لها كاليمن والجزائر وليبيا، على أن نكسة يونيو 1967 جرحته وشعر معها بالتهديد لكرامته ولفنه وللثورة التي غنى لها وصعد معها، وهو الشعور نفسه الذي أصاب كل فناني هذا الجيل، رشدي عقب النكسة رفض أغنيات الإذاعة ورفض الدخول في جنائزيات المطربين وبكائياتهم عن الهزيمة، توجه مباشرة إلى الجبهة، والتزم الغناء للجنود على خط النار يشد من أزرهم، ويرفع من حماسهم، لذلك لم يكن غريبا بعد ذلك أن تكرمه القوات المسلحة المصرية على هذا المجهود عقب حرب أكتوبر، ولا أن يكون أحد الأصوات الدائمة في احتفالات أكتوبر، ومع بدايات حكم الرئيس مبارك في الثمانينات حدث أن منظمي احتفالات أكتوبر نسوا دعوة محمد رشدي للغناء فسأل عنه الرئيس مبارك: «فين رشدي»، وفي الحفل التالي كان رشدي في مقدمة المطربين فصافحه الرئيس مبارك، وقال له: «نسيوك يا رشدي معلش».

ولم يزدهر رشدي في الستينات على مستوى الأغنية فقط، وإنما في السينما أيضا حيث قدم 6 أفلام من سبعة أفلام هي كل تاريخه السينمائي فقدم أفلام: «المارد»، و«حارة السقايين»، و«عدوية»، و«6 بنات وعريس»، و«السيرك»، و«فرقة المرح»، فيما قدم عام 1971 آخر أفلامه «ورد وشوك».

فشل السبعينات

وفي فوضى السبعينات بمصر أخذ رموز الغناء يختفون إما بالرحيل كالسيدة أم كلثوم، وفريد الأطرش، وعبد الحليم، أو بالانزواء كمحمد عبد الوهاب، ونجاة الصغيرة، وبمقدار ما بدا من بشائر جيل غنائي جديد على رأسه علي الحجار، ومحمد منير، وهاني شاكر،وسميرة سعيد، وعمر فتحي، وعماد عبد الحليم، بمقدار ما بدت الساحة الغنائية فارغة وتنتظر من يملأها، وكانت الأنظار تتجه إلى رشدي ووردة ومحمد قنديل لملء هذا الفراغ، لكنهم والأصوات الجديدة فشلوا بشكل ذريع لأن الحياة الاجتماعية والسياسية كانت تشهد تغيرا سريعا تحت دعوى الانفتاح ونمو شرائح جديدة من أثرياء حرب أكتوبر، وكان الجميع منشغلا بمغامرات الرئيس السادات السياسية بالاختلاف معه والتأييد له، وبغلاء الأسعار، وبتحركات الشارع أكثر من الاهتمام بالأغنية، وكانت هناك حركة تنمو نحو الغناء الأجنبي في مواكبة لتطبيع العلاقات مع العدو الصهيوني، وأعتقد ان خطأ المطربين في ذلك الوقت وعلى رأسهم محمد رشدي هو الابتعاد عن قضايا الشارع، وفشلهم في اكتشاف التغير على ذائقي الأغنية، بدليل أن المطرب العارض في هذا الوقت والذي عاش نجومية هذا العصــر هو المطرب محمد عدوية، من دون تحفظ يمكن القول انه الوحيد الذي امتلك حسا بهموم الناس وعبر عنها من دون فلسفة لذلك التفوا حوله ورددوا أغانيه مثل «زحمة يا دنيا زحمة» أما رشدي وغيره فقد بدا أنهم لا يزالون يعيشون في العصر الناصري ولم يتخلصوا بعد من شعاراتهم السياسية التي فشلت في كل شيء، وانتماءاتهم التي ورطت الجميع في كوارث حروب خاسرة، وأزمات اقتصادية شتى.

مثل إنساني

على أن رشدي بملامحه المصرية الخالصة وبروحه الشعبية ضرب في صمت بأعوامه الأخيرة درسا نادرا في تجاوز العمر، وفي ضرب المثل بان الموهبة لا تتوقف عند سن معينة، وان الصالة والغناء الجيد يشقان الطريق سريعا إلى قلوب الناس، فالعام الماضي فيما كان يشتكي من متاعب الفشل الكلوي القاسية أصدر ألبوما هو الحديث المتكرر الآن عن الغناء الأصيل، فألبوم «دامت لمين» الذي عاد به إلى الغناء بعد انقطاع حقق أكبر مبيعات بسوق الكاسيت حيث باع في عام واحد 600 ألف نسخة، وهو رقم كبير جدا في سوق الكاسيت الآن إذا عرفنا أن أعلى مبيعات تلته كان ألبوم عمرو دياب الذي باع 400 ألف نسخة، أما جورج فباع ألبومه 380 ألف نسخة، وإليسا 70 ألفا، وأصالة 70 ألفا، وروبي 40 ألفا، والحقيقة ان ألبوم محمد رشدي الذي أنتجه المنتج الذكي نصر محروس جاء مفاجئا أصيلا بكلمات جديدة استحقت أن يلتف حولها الشباب.

على ان سعادة هذا النجاح لم تكتمل فهاجمته بوحشية متاعب الكلى، وأخذت تتسلى على راحته ووداعته، وكان يتقبل الألم بصبر المتصوفين، ومن دون ان يبتز الجمهور إعلاميا، أو يستدر الشفقة طلبا لعلاج على نفقة الدولة.

وعلى رغم نصائح الأطباء له بالراحة أخذ يستعد منذ أشهر لألبومه الجديد مع المنتج نصر محروس الذي اختار له عنوان «البيت القديم»، وكان هذا مثار دهشة الجميع الذين كانوا يسألونه: كيف وأنت في قمة المرض وذروة المعاناة ترهق نفسك بعمل جديد؟ والرد عنده كان جاهزا: «عندما أغني أنسى آلامي و أشعر أنني في العشرين من عمري، وأحاول بكل قوة ألا أرحل وأنا محدود القيمة، وهذا يجعلني أغني ليل نهار»، وكل الذين عايشوا ألبومه الأخير الذي لم يصدر بعد يقولون كان يتعجب من نجوم الغناء الذين يحرصون على اقتناء سيارات فارهة، وقصور بالمدن الجديدة، وحسابات بملايين الدولارات، ولا يحرصون على تقديم أغنية جيدة للجمهور الذي أعطاهم كل شيء.

لآخر دقيقة في حياته كان رشدي يغني، ويعد طربا طازجا جديدا، وأرهق نفسه بتصوير كليبين جديدين مع نصر محروس إحداهما أغنية «العمر» التي يحكي فيها قصته كمطرب حتى سقط ونقل هامدا ضعيفا واهنا إلى مستشفى السلام، وقبلها كان قد سجل قصة حياته على 15 ساعة هي حوار طويل بينه ورفيق عمره الشاعر عبد الرحمن الأبنودي، وأخرجها نبيل عبد النعيم، ومع رحيله تسقط ورقة نادرة من شجرة الغناء الجميل، لا يمكن أن يعوضها ظهور أوراق أخرى.

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات