تدور هذه الأيام أحاديث حول ما يسمى «صفقة القرن»، ولا تتوافر بعد تفاصيل هذه الصفقة او أهدافها غير تخمينات وتحليلات من هنا وهناك ــ غير رسمية ــ ولعل التأخير في إعلانها بانتظار ردود الأفعال وتسريبات لبعض المعلومات، ويتردد انها تهدف الى تصفية القضية الفلسطينية، وقد يكون هناك ابعد من ذلك في صفقات أخرى تتولد عنها، تصب الزيت على نار المشاكل والمآسي والنكبات التي عصفت بكثير من الدول العربية والإسلامية وما زالت.
ولم تكن هذه الصفقات وليدة اليوم، فقد حاك أعداء الأمتين العربية والإسلامية الكثير من المؤامرات والدسائس، وعلى سبيل المثال ما حدث منذ قرن وما زالت تعاني منها فلسطين، حين عقدت اتفاقية سايكس ــ بيكو 1915 ـ 1916، وهي اتفاقية سرية بين بريطانيا وفرنسا وبمصادقة روسيا القيصرية، من اجل تقسيم منطقة الهلال الخصيب بين بريطانيا وفرنسا بعد انهيار الدولة العثمانية المسؤولة عن هذه المنطقة اثناء الحرب العالمية الاولى، ولكن فقدت هذه الاتفاقية سريتها وبرزت الى العلن حين سيطر الشيوعيون على الحكم، واطاحوا بنظام روسيا القيصرية في الثورة البلشفية عام 1917، وبعد ذلك جاء وعد بلفور المشؤوم عام 1917 المنسوب الى وزير خارجية بريطانيا آنذاك آرثر جيمس بلفور، وهذا الوعد هو عبارة عن بيان بريطاني تضمن دعم بريطانيا لليهود لإقامة وطن قومي لهم في فلسطين، واستمرت الاحداث تتوالى وتدفق اليهود على فلسطين، حتى حدثت النكبة الكبرى بعد قيام الكيان الاسرائيلي عام 1948، وقد قتل وتشرد مئات الآلاف من الفلسطينيين.
وما زالت المآسي مستمرة على فلسطين، خاصة ما برز من خلاف مؤسف بين الضفة وغزة، الى جانب ظاهرة ما يسمى بالربيع العربي، الذي عصفت رياحه المدمرة وما صاحبها من عنف ببعض الدول العربية وما يحدث حاليا ــ ربيع عربي بنسخة معدلة ــ في السودان والجزائر، نتمنى ان يستمر هذا الحراك سلميا.
وقد يكون ما يسمى صفقة القرن تتويجا لهذه الصفعات، التي تزيد وطننا العربي ويلات ودماراً. وما زال أعداء امتنا العربية يتربصون بنا الدوائر للقضاء على ما تبقى من امننا واستقرارنا.
وكل هذه المآسي لحقت بوطننا العربي حين اختلفنا وتنازعنا فضعفنا وطمع اعدائنا بنا «وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ»، خاصة ان بلادنا تتمتع بموقع استراتيجي ممتار وتتوافر فيها الخيرات الكثيرة والحمد لله، نسأل الله تعالى ان يهدينا سواء السبيل، فإن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، وعندئذ تستعيد الامة وحدتها وقوتها وعزها وتصبح كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا، فلا يجرؤ عدوها على اختراق جدارها المتماسك، إنه سميع مجيب.

محمد سعود يوسف البدر*

* سفير سابق

 

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات