الميدان السياسي ميدان ممتلئ بالتناقضات، والميدان الوحيد الذي يستطيع به الإنسان أن يكذب ويداهن باسم المرونة، ويجبن عن المواقف التي تتطلب موقفًا شجاعًا باسم الحكمة، ويتهوّر في المواقف التي تتطلب تريّثًا وسكينة باسم الشجاعة، ويمارس أشنع الرذائل ويكسوها بقماش شفيف لا يستر ما خلفه اسمه الحنكة السياسية!
من التناقضات الفجة التي حاول السياسيون تبريرها، ولكن قبحها طغى على كل ستر وفاحت رائحتها الكريهة بعد أن باءت كل محاولات سترها بالفشل.. تبدل موقف السياسي بتبدل موقعه، وقديمًا جاء في ‏مجلة المنار عام ١٨٩٨م «وهذا شأن الإنسان في كل آن، يطلب الحرية مرؤوسا، ويكرهها رئيسا، يستنجد العدالة مظلوما، وينبذها ظالما، إلا من وفقه الله وقليل ما هم».
وجاء كذلك في مجلة المنار‏‏ من مقال للشيخ محمد عبده ‏١٨٩٨م: «من أخس الأوصاف وأدناها أن يقول الإنسان ما لا يفعل، وأن يدل غيره على ما ضل هو عنه، وأن يعيب على الناس ما لا يعيبه هو على نفسه، وذلك أن من كانت هذه صفته فهو جاهل من وجه ومعترف بنقصه من وجه آخر، وخبيث ‏المقصد دنيء الهمة من الوجه الثالث»!
‏وما أليق هذه الأوصاف ببعض السياسيين وقد كانوا قليلًا فهم اليوم أقل من القليل!
من الشخصيات التي عيب عليها تبدل موقفها مع تبدل موقعها هو الزعيم المصري سعد زغلول.. فقد كان رمزًا لثورة ١٩١٩م ومدافعًا عن الحريات ومنافحًا عن حقوق الأمة، وما إن تسلم حزبه السلطة ونال الأغلبية الكاسحة وأصبح هو المتحكم في البلاد حتى تبدل موقفه وأصبح عدوًّا لحرية الكلمة حتى كتب عنه طه حسين، الذي كان يمثل وجهة نظر حزب الأحرار الدستوريين (الحزب المعارض لحكومة سعد باشا زغلول) وقال في مقالة له بعنوان «ويل للحرية من سعد»: «كان سعد محارباً لأمته فأصبح الآن محارباً للحرية من حيث هي حرية. وأصبح الآن محارباً لكل هذا النصر الحديث. سعد وكيل الأمة في كل شيء ـ حتى في قراءة الصحف. أيتها الأمة المصرية. طيبي نفساً. وقري عينا. اهدئي واطمئني، فقد قيض الله لك رجلاً يريحك في كل شيء. لا تطالبي بالاستقلال فسعد يطالب به. لا تعشقي الحرية فسعد يعشقها.. لا تقرئي الصحف فسعد يقرأها»!
إذا كان هذا حال سعد باشا زغلول وهو من هو.. فكيف بسياسيينا اليوم؟!

عبدالكريم دوخي المجهول
@a_do5y

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات