تذكرت أحداث عام 1973 في أعقاب حرب أكتوبر، واستذكرت الأجواء التي عشناها في الأمم المتحدة، على إثر فرض حظر تصدير النفط على الولايات المتحدة، تعبيراً عن سخط كل من المملكة العربية السعودية والكويت والإمارات وقطر على المواقف السلبية التي اتخذتها الولايات المتحدة في دعمها المستفز خلال عمليات الحرب، وما سببه ذلك الحظر من انقسامات داخل المنظمة، التي كانت مرآة للواقع الذي عاشه العالم في ذلك الوقت.
كانت قاعات الأمم المتحدة مملوءة بالإشاعات، ومتأثرة بما يخرج من الصحافة، نقلاً عن عواصم تهدد ودول تؤيد، وآخرون في حالة من الفزع بعد الانقسام الخطير بين الدول الكبرى، خاصة الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة.
كانت الحرب الباردة أكثر سخونة من المعتاد، خاصة بعد رفع درجة الاستعداد النووي من قبل الولايات المتحدة.
لم أكن أتصور حجم الترابط بين أمن الخليج وبين استقرار الحياة في هذا الكون العجيب، طغى الهلع على رصانة العقل، وارتفع مستوى الغضب، بعضه موجه ضد دول الخليج بسبب الحظر ومعظمه ضد الدول الغربية، وخاصة الولايات المتحدة، ومع هذا الارتفاع في منسوب درجة المخاطر، تحركت الدبلوماسية العالمية نحو التهدئة، وتكاثرت الاتصالات وزادت نبرة التفاؤل، وانخفضت لغة التهديد، ورُفع الحظر وعادة الحياة طبيعية.
كان العالم مسرحاً صغيراً طغى عليه احتقان التوتر وسط خوف من مصير مدمر، تعود الصورة الآن مع تبدلات ليست في الحساب، كان الخوف من مواجهة بين روسيا وأميركا، وصار اليوم صدام إيران مع الولايات المتحدة في ساحة الخليج، كانت احتمالات الأمس بعيدة جغرافياً عن حوض الخليج، وجاءت الآن من بطن هذا الحوض، كنا الطرف المباشر في أزمة 1973، وصرناً هدفاً للغارات الإيرانية السياسية والإعلامية.
كنا ننصح إيران بجدوى حوار الصادقين في علاقات حسن جوار وتعايش واحترام متبادل وتجنب التدخل والإثارة، والبعد عن إضعاف الأنظمة في دول الخليج، وكانت إيران دولة تطير في فضاء الأوهام بالسيطرة والتسيد وفرض الإملاءات على دول الجوار، وفقاً لفلسفة راديكالية توسعية تجمّل ملامحها بمفردات دينية، واستطاب لها المقام في سوريا ولبنان، واتسعت نحو اليمن، وحاولت مع البحرين والكويت والمملكة والإمارات، ومن هذا السيناريو تولدت أزمة اليوم.
تغير العالم كثيراً منذ عام 1973، أدرك العالم، القوي منه والضعيف، الكبير والصغير، قيمة دول الخليج، وقيمة استقرارها، وقيمة دبلوماسيتها، وضرورة بقائها، وعقلانية قيادتها، وشرعية طلباتها في إبعاد التدخلات الإيرانية، وأدرك العالم أيضاً مصداقية الخليج وحسن إدارة قيادته للثروة النفطية التي تواجدت في أرضه، وشهامة قيادته في التعامل مع الثروة النفطية كوديعة إنسانية، ثروة للجميع، حق للكل في التمتع بوصول النفط إليه، من دون عناء الاقتتال، وبمخزون قادر على تأمين ما يريده هذا العالم، وصار العالم ينظر الى الزعامات الخليجية كرجال دولة في تفهم معاني الثروة النفطية، وفي وعيهم بأعباء التقصير، فالعالم يجوع بلا نفط، ويصيبه الشلل من دون طاقة تحركه، وتتحول مصانعه إلى هياكل وتجف زراعته وتتوقف حركته ويفقد حيويته وتتلاشى الحياة فيه، وقد تنفجر الحروب منه وبسببه.
كل هذا الشرح يأخذنا إلى أن استقرار الخليج وسلامته والحفاظ على الدول الوطنية فيه، هي رأسمال إنساني كوني Human Heritage، لا يمس ولا يتلوث، ويحافظ عليه باحترام وتقدير.
أقول بثقة ان هذا الاعتراف العالمي في قيمة الدول الخليجية الوطنية جاء من مسببات عدة، أكثرها تأثيراً كانت أزمة النفط في 1973.
ثلاثة مؤتمرات تديرها المملكة السعودية باقتدار خلال يومين، وبحضور أكثر من خمسين دولة، واستجابة جماعية فريدة كشهادة تقدير وتثمين لمستوى النضج في إدارة شؤون الدولة في المملكة، ودفاعاً عالمياً عن سلامتها وسلامة حلفائها وشركائها دول الخليج الكويت، البحرين، وعمان وقطر، والإمارات، هذه الدول الخليجية استخرجت من هذا المؤتمر الكبير شهادة تحالف عالمي لبقائها سليمة بقيادتها المستنيرة وبسيادتها الدائمة محاطة بحصانة سيادية ومعنوية وأخلاقية من قبل جميع الأمم ومن جميع سكان هذه الأرض.
هذا الاعتراف العالمي المؤازر ليس موجهاً ضد إيران فقط وإنما للجميع، للأحزاب الراديكالية العبثية التي سعت إلى تحويل هذه المنطقة الاستراتيجية الفريدة إلى أقطار تسحبها إرادة أمة بالقضاء على استقلالها وسيادتها، وكان الغزو البعثي العراقي لأراضي دولة الكويت مقدمة لمغامرة تجريبية للوقوف على مدى ترابط الخليج بالمصير العالمي، وكان التحرير من التحالف الذي شكله مجلس الأمن الدولي هو الرد القاسي المقنع لمعاني البقاء والاستدامة التي يريد العالم تطويق دول الخليج بها، تعبيراً عن تضامن بلا حدود ومع الدول الوطنية الخليجية.
ولا يريد العالم من دول الخليج شيئاً يعكر حياتها، ولا يسعى إلى تضييق قدرتها أو يجفف مصادر خيراتها، وإنما يريد التحالف الاستراتيجي النفطي المستند على كياسة في إدارة شؤون النفط، وعلى إدراك لأبعاد أي تقصير في كميات النفط التي يحتاجها العالم، وأن تبقى هذه الكميات بلا ارتفاع يدمر اقتصاديات هذا الكون وبلا مبالغات تؤذي الاقتصاد العالمي وتسبب الانفجارات في المجتمعات المختلفة من سكان هذه الأرض.
دخل الخليج في مصاهرة سياسية واقتصادية مع أعضاء الأسرة العالمية، ترسم مستقبلاً لكل انسان في انسجام جماعي ينساب بسلاسة بلا اضطراب لتحقيق ازدهار اقتصادي وتفاهم سياسي وتعاون بين الحضارات ينبت سلاماً دائماً للجميع.
بهذه المعاني العالية وبوعي من سمو الأمير لضرورات أن يتسيد الوئام بحر الخليج وترابه وفضائه، تحدث في اللقاء الثلاثي القممي، الذي رعته المملكة العربية السعودية منذ أسبوعين، عبر وسائط الحوار والتفاهم على أولويات حسن الجوار، والبعد عن التدخلات وإفهام إيران أخطار التصعيدات في المواقف وفي الاعلام وفي الشد الوطني نحو المواجهات، وأكثر من ذلك تحدث سمو الأمير بحرص وقلق على سلامة الوحدة الخليجية، وعلى الحفاظ على المكاسب التي حققها مجلس التعاون، ومضار استمرار التعثر والانقسام، وهي كلمة تاريخية أراد طرحها أمام ذلك اللقاء غير المسبوق لعل أن تأتي مناسبة قادمة لمعالجتها نهائياً.

عبدالله بشارة

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات