الأولى - المرأةالمرأةالورقية - المجلة

الكعب العالي.. من رمز للأنوثة إلى تعبير عن الذات

محمد أمين –
لقد اعتدنا على الحديث عن الكعب العالي من زاوية الموضة والرفاهية وحتى الأنوثة. لكننا قليلا ما نتحدث عنه من باب الاتيكيت والالتزام في مكان العمل، على الرغم من أنه كذلك بالنسبة لكثير من النساء.

بينما تنتعل الكثير من النساء الكعب العالي من أجل المتعة والتعبير عن الذات، فإن عددًا لا يحصى من الأخريات ينتعلنه بحكم قوانين العمل، أو لأن رئيسهن يطلب منهن ذلك. ولكن لماذا يطلب الرئيس في العمل ذلك؟
لقد أُعيد فتح النقاش الممتد منذ سنوات طويلة حول ما يجب أو ما لا يجب ارتداؤه هذا الأسبوع، عندما قدمت الممثلة والكاتبة اليابانية يومي إيشيكاوا التماسًا إلى وزارة العمل في بلدها طالبت فيه بفرض حظر على انتعال الكعب العالي في العمل. وتعززت جهودها من خلال هاشتاغ #KuToo الذي لعب على كلمتي kutsu وتعني الحذاء باليابانية، وكلمة kutsuu التي تعني الألم، مع الإشارة إلى هاشتاغ #MeToo لمكافحة التحرش الجنسي الذي انطلق في الولايات المتحدة والغرب عموماً. ففي آخر إحصاء، جمع الالتماس أكثر من 23 ألف توقيع. لكن وزير الصحة والعمل الياباني دافع عن أماكن العمل التي تطلب من النساء انتعال الكعب العالي، ووصف هذه الممارسة بأنها «ضرورية ومناسبة».

تمكين المرأة
تقول سومر برينان، الكاتبة في صحيفة غارديان ومؤلفة كتاب «الكعب العالي»، إنه يُنظر إلى الكعب العالي منذ فترة طويلة بأنه متلازمة للمرأة كما ربطة العنق للرجل. وعندما يتم اعتمادهما في بيئة عمل، يبعثان برسالة أخذ إطار رسمي واحترافي. وربما ينطبق ذلك على ثقافة الشركات في اليابان أكثر من أي مكان آخر، لكن له بُعده العالمي. فمن شيريل ساندبرغ، المديرة في شركة فيسبوك، إلى تيريزا ماي (رئيسة وزراء بريطانيا حالياً)، فإن الكعب العالي عنصر أساسي في ملابس النساء القياديات منذ عقود. وقد حذّر جون مولوي في كتابه الأكثر مبيعاً بعنوان «لباس النجاح» في السبعينات، النساء الأميركيات بضرورة انتعال الكعب العالي إذا أردن أن يؤخذن على محمل الجد في مكان العمل.
قد لا يرى البعض لماذا يمثل هذا الموضوع مشكلة. فالكثير من النساء لا يكتفين بانتعال الكعب العالي، بل يدافعن عن هذا الخيار بحماس. وقد يرتبط ذلك في أذهانهن بمسألة «تمكين» المرأة. إضافة إلى ذلك، إذا كان يُطلب من الرجال غالبًا، أن يرتدوا بدلة وربطة عنق في مكان العمل، فما الخطأ في أن يكون هناك زي «رسمي» للمرأة في مكان العمل أيضاً؟
ولكن لا يوجد أي مكوّن في ملابس الرجال يسبب إعاقة الحركة أو الألم البدني. لكن الكعب العالي يرتبط بتاريخ طويل من القمع الجسدي والمعاناة بالنسبة الى المرأة.

ماري أنطوانيت
لقد تغير شكل الكعب العالي بشكل كبير منذ ظهوره الأولى للمرة، على أقدام رجال سلاح الفرسان الفرس في القرن السادس عشر، قبل أن ينتقل غرباً إلى الجيوش الأوروبية والبلاط الملكي هناك. ففي حين أن الأحذية ذات الكعب العالي كانت تحظى بتقييم جيد لكل من الرجال والنساء في أوروبا طوال القرن الثامن عشر، لكن تراجع ذلك مع اندلاع الثورة الفرنسية. وبعد أن تم تعليق ماري أنطوانيت على المقصلة وهي تنتعل حذاء عالي الكعب، سقط من حسابات الموضة، وأصبحت الأحذية النسائية مسطحة. وعندما عاد الكعب العالي إلى الظهور مرة أخرى بحلول القرن العشرين، حيث اتساع الفجوة بين الجنسين واكتساب المرأة مزيدًا من الحرية، أصبح الكعب العالي يقتصر على الأحذية النسائية (مع وجود استثناء في السبعينات حين ظهرت أحذية رجالية بكعب عالٍ لفترة قصيرة)، وأصبح أعلى وأكثر نحافة. وأصبح المشي معه أصعب من أي وقت مضى.
ولو كان الهدف من انتعال الكعب العالي في مكان العمل أن يزيد طول من ينتعله، فسينتعله المزيد من الأشخاص. فالرجال الذين يحصلون على الفوائد المهنية حين يبدون أطول، سوف ينتعلونه أيضًا. لكنهم لا يفعلون ذلك، لأن الكعب العالي وسيلة لإبراز الأنوثة. لقد اعتُبر الكعب العالي جزءًا حيويًا من ملابس النساء الاحترافية في السبعينات والثمانينات من القرن الماضي تحديدا، لأن العمل ذاته، أي الحصول على وظيفة والسعي لتحقيق النجاح والسلطة، كان يعتبر ذكوريًا بطبيعته. وكان الكعب العالي يمثل نظيرا مناقضا للمفاهيم الرجولية المتمثلة بالطموح والرغبة في التحكم بمصير المرأة المالي.
وبدلاً من إعادة صوغ مكان العمل للترحيب بالمرأة، ركزت المجتمعات في جميع أنحاء العالم باستمرار على إعادة تشكيل المرأة لتناسب مكان العمل الذي صُمم أصلاً، للرجل. وما تزال مقالات المجلات والإعلانات تركز على ما يجب على المرأة فعله، على سبيل المثال، ما يجب عليها ارتداؤه وشراؤه لتكون جديرة بالاحترام المهني. وحتى المصطلحات مثل «تمكين المرأة»، تشدد على ما يجب على المرأة فعله اذا كانت بحاجة إلى عمل أو تطمح الى أن تصبح ذات شأن، بدلاً من الحاجة إلى إعادة هيكلة نظام يؤذيها بشكل روتيني.
إنه لمن المناسب الربط بين هاشتاغي #KuToo و #MeToo، لأنهما يتمحوران حول الاختيار والموافقة. كلتا الحركتين تدوران حول جيل جديد من النساء اللواتي يلقين نظرة فاحصة على المعاناة التي طالما اعتبرنها من المسلّمات، ويقُلنَ: ربما لا ينبغي أن يكون الأمر كذلك، ولا بد من التغيير.

الوسوم


قراء القبس يتصفحون الآن

السودوكو

مقالات ذات صلة

إغلاق