قال المتنبي قبل أكثر من ألف عام «كل الحوادث مبدأها من النظر ومعظم النار من مستصغر الشرر»، وأكد علم الاجتماع قبل سنوات قليلة تنبؤه بأن مرتكبي الجرائم الكبيرة كانوا في صغرهم من مرتكبي المخالفات الصغيرة، ولكن لم يحاسبهم أحد، فتحولوا بصورة شبه تلقائية من مخالفين صغار لمجرمين كبار... وهكذا.
يعتبر رودي جولياني، عمدة مدينة نيويورك السابق أحد أشهر من طبق هذه النظرية، بقراره تركيز انتباه قوى الأمن على ملاحقة مقترفي الجرائم الصغيرة Petty crimes، من مخالفي المرور ومشوهي عربات السكك الحديد والحوائط برسوماتهم، ومخالفي قوانين البيئة، وسارقي المحال، حيث اكتشف أن غالبية مرتكبيها هم من غير البالغين الذين سيصبحون مع الوقت مجرمين كبارا، واستطاع في وقت قياسي تحويل مدينة نيويورك، التي لم نكن نجرؤ على التجول في %90 من شوارعها في السبعينات، إلى واحدة من أكثر المدن الأميركية أمانا.
نعود للكويت ونقول إن الضجة التي اثيرت حول منع صبي صغير من بيع البطيخ، وكيف انه يجب أن تنتبه للمخالفين الكبار، بدلا من معاقبة هذا الصبي، وهذا كلام غير مقبول على الإطلاق. فالجهات المعنية بالجرائم الكبيرة هي الداخلية. أما مخالفة الصبي وغيره من صغار المخالفين فهي من اختصاص البلدية، فهل على البلدية مثلا انتظار انتهاء الداخلية من القبض على كبار المجرمين لتعطيها إشارة البدء بالقبض على بائعي البطيخ مثلا؟
جميل هذا التعاطف مع الطفل، بائع البطيخ، ولكن لماذا لم يسأل هؤلاء أنفسهم عن سبب وجوده في ذلك المكان؟ وماذا عن وضع السيارات التي تقف فجأة لتشتري منه وتتسبب في عرقلة السير؟ وماذا يكون شعور من أيّد تصرفه، لو اصطدمت مركبته بمن وقف فجأة ليشتري من الصبي بطيخا؟ وماذا عن اشتراطات الصحة والسلامة والبيئة والتجارة المطلوب توافرها مع وفي من يقوم ببيع المواد الغذائية.. وغير ذلك الكثير؟!
إن وجود بائع البطيخ في شارع رئيسي أمر مؤذ نفسيا واجتماعيا وقانونيا، ولا يجب التعلل بصغر سنه أو وجود جرائم أكبر لعدم منعه من البيع، فإما أنه مخالف أو غير مخالف.
الحديث عن «بائع البطيخ» يجرنا لظاهرة بائعي الآيس كريم، الذين تتزايد أعدادهم مع قدوم الصيف. فهؤلاء يعتبرون من الفئة التي تقوم بوظيفة لا داعي لها أبدا، فبضاعتهم موجودة بوفرة في الجمعيات، وبحالة أفضل. كما أنهم يبيعون مواد أخرى، بحيث تحولت عربات بعضهم لبقالات متنقلة، وليس لدى غالبيتهم تراخيص تجارية أو صحية، ووقوفهم على الطرقات يتسبب كثيرا في عرقلة حركة السير، خاصة وقت خروج المدارس. وبالتالي يجب وقف نشاطهم رحمة بهم وتطبيقا لمختلف القوانين التي تقف عاجزة عندما يتعلق الأمر بمصالح شركات كبرى.. وإن كان لا بد من وجود هؤلاء، فيجب على البلدية والتجارة ووزارة الصحة تنظيم عملهم بحيث لا يسمح للمصابين منهم بأمراض معدية مزاولة هذه المهنة، هذا غير مخالفاتهم الأخرى المتعلقة بقيام بعضهم بقيادة دراجات نارية لا تحمل أرقاما، وغير مرخصة تجاريا ولا صحيا.

أحمد الصراف

habibi.enta1@gmail.com
www.kalamanas.com

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات