الصراع الأميركي - الإيراني.. وسياسة «البَو»
القاهرة – أحمد متبولي -
التصعيد الأميركي الإيراني ليس أول أزمة تشهدها العلاقة المقطوعة بين البلدين منذ نحو 40 عاما، ولن يكون آخر أزمة في العلاقة التي تشهد تجاذبات منذ الثورة الإيرانية، لم تصل في أي مرة منها إلى حالة الحرب.
ويستدعي التصعيد الأخير تصريحا لمسؤول دبلوماسي عربي في القاهرة عام 2006 -في واحدة من حلقات التجاذبات بين إيران والغرب عندما قررت طهران بقيادة رئيسها الجديد وقتها احمدي نجاد زيادة نسبة تخصيب اليورانيوم، وزيادة أجهزة الطرد المركزي- حيث قال المسؤول «نحن في ربع الساعة الأخير من الحرب على إيران»، عندما كانت تشير التقارير وقتها بأن الغرب بقيادة الولايات المتحدة لن يقف أمام هذا المسعى الإيراني في امتلاك السلاح النووي وأن إسرائيل تضغط بقوة لمنع سيناريو قنبلة نووية إيرانية وأنها من سيقوم بتوجيه ضربة قاصمة لهذا المشروع.
لكن ربع الساعة الأخير هذا، امتد ليصبح سنوات شهدت تجاذبات ومناورات ومفاوضات عبر قنوات سرية وعلنية توجت باتفاق لوزان في 2015 بين طهران والدول الست الكبرى.
ورغم الانتكاسة التي أصابت هذا الاتفاق العام الماضي بإعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب الانسحاب من الاتفاقية لعدم نجاح الاتفاق في وقف أنشطة طهران المزعزعة للاستقرار ومساعيها للحصول على سلاح نووي وردعها عن متابعة برنامجها للصواريخ البالستية، فإن التساؤل الذي يفرض نفسه هل تكون هذه الأزمة على غرار سابقتها تنتهي بمفاجأة الجميع بوجود قنوات سرية للتواصل بين الطرفين تفضي إلى جلسات مطولة من التفاوض تنتهي باتفاق جديد أو ملحق للاتفاق السابق يحمله ترامب في يديه أثناء دخوله حملته الانتخابية بعد أشهر قليلة أم أن المعطيات الحالية تختلف عن الأزمات السابقة بما يجعل السيناريو العسكري مرجحا؟

هامش مناورة
بالنسبة إلى إيران فوضعها الحالي قد يكون الأكثر وطأة عليها تحت أزمات اقتصادية ضاغطة وتصفير لصادراتها النفطية، لكن في الوقت نفسه هي تعايشت من قبل مع الحصار الاقتصادي لسنوات كما أن «السوق السوداء» قادرة على مواجهة تصفير الصادرات، أما الأهم فإن نفوذ طهران أصبح أكثر تغلغلا وقوة وتحول مناصروها أو مليشياتها إلى أوراق ضغط قوية في عدد من البلدان العربية، بل إن الأطراف الدولية التي كانت على توافق في العقد الماضي على عدم السماح لها بتطوير البرنامج النووي أصبحت لا تخفي امتعاضها ورفضها للخطوات الأميركية الأخيرة وهي معطيات تتيح للجانب الإيراني هامش مناورة كبير لمواجهة الضغوط الأميركية.
أما الجانب الأميركي فعلى الرغم من أن الإدارة الحالية تختلف عن سابقتها من الإدارات بالاندفاع في السياسات إلى حد التهور وأن بها بعض الشخصيات التي تعرف بعدائها الشديد لإيران، كمستشار الأمن القومي جون بولتون وتضغط للوصول إلى قرار الحرب، فإن قرار توجيه ضربة عسكرية لإيران هو بمنزلة قرار بـ«تفجير الإقليم» الذي يعاني من أزمات حادة، كما أنه سيكون له تداعيات خطيرة أبدت دول في المنطقة تحفظاتها عليه وحذرت منه لما له من تداعيات تؤكد كل المؤشرات إنها ستكون كارثية، وهو ما قد يعني ان قرار الحرب ليس له الأولوية لدى الساسة في واشنطن رغم كل «الحشد الإعلامي».
ويظل السؤال لماذا تسعى الولايات المتحدة لهذا التصعيد إذا كانت كلفة الحرب كبيرة وإذا كانت هناك تحذيرات ورفض من جانب عدة دول، سواء الدول الكبرى كروسيا والصين أو دول الإقليم لأي خيار عسكري؟
يبدو أن الولايات المتحدة تسعى أن تضمن استمرارية للصفقات العسكرية الكبرى التي تساعد على انتعاش للاقتصاد الأميركي وهو الورقة الرئيسية التي يلعب عليها أي رئيس أميركي في الانتخابات، وهذه الاستمرارية لن تتم في ظل أجواء استقرار، بل تحتاج إلى تسخين من وقت لآخر وفي أكثر من بقعة لضمان عمل مصانع السلاح
وقديما عند البدو والفلاحين كان هناك ما يعرف بـ«البَو» وهو ولد الناقة أو البقر عندما ينفق ويرغب صاحبها في استمرار تدفق اللبن فيقوم بتفريغ أحشاء هذا الولد ويحشى تبنا ويظل أمام أمه تتشمم رائحته لتدر اللبن بلا انقطاع!

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات