مرت بنا قبل أيام الذكرى الثالثة لرحيل العم حمد الجوعان، أحد رموز العمل الوطني الشامخة، الذين ارتبطت أسماؤهم بمحطات بارزة في تاريخ الكويت الحديث.. وترددت في عقول محبي الجوعان وقلوبهم أصداء مواقفه الشجاعة، وكلماته الصادقة.
القبس التي احتضنت أفكار الفارس الراحل ومشاعره حين كانت الكتابة «أقرب ما تكون إلى مناجاة، بل ربما هي وصية» كما وصفها، تستذكر رسالة حمد الجوعان التي أداها بكل أمانة وإخلاص رغم رصاص الغدر، ورغم آلام المرض، وهذه مقتطفات من مقال نشرته القبس في صفحتها الأولى يوم 30 أبريل 1992:

التركة وطن.. والوارث مواطن

أقول ولعلي غير مبالغ إن قلت: إن الكتابة بالنسبة إلي في هذه المرحلة لا تمثل موقفا أو رأيا، يرضى به البعض أو يغضب، يحسن فهمه أو يخطئ، يكون صحيحا أو لا! إن الكتابة بالنسبة إلي في هذه المرحلة أقرب ما تكون إلى مناجاة، إن لم تكن استغاثة، بل ربما هي وصية، يودع فيها إنسان سره، سر بيني وبين كل قارئ، ووصية لكل وارث عن نصيبه في الميراث.. فالتركة ثقيلة ونصيب كل منا فيها أن يبقى، إذ التركة وطن، والوارث مواطن!
فيا كويت، أنا مواطنك.. لقد ولدت فيك، وبك سأحيا، لست بقادر على فراقك رغم القدر الذي جعلني بعيدا عنك، ولست بقادر على قربك رغم الشوق الذي يحملني إليك!
إن حاضرنا يقول لنا: إن الله كان معنا حتى استطعنا أن نحيا، فلنعمل عملاً صالحاً في مستقبل أيامنا حتى يكون الله معنا، كما كان، بعزته وقدرته وسطوته، إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.. وما أظن أن ما يجري في بلدي في هذه الأيام يجري على صراط مستقيم.

***
لعل أعز ما نمتلكه مما يدعم مسيرة «بناء كويت المستقبل» أننا رغم «قلة» عددنا، عريقون «بتعدد» أفكارنا، ومؤمنون بأن لنا جذوراً تشربت من أعماق عروبتنا وإسلامنا، كما أن المحن التي مرت بنا عودتنا أن نمتحن إرادتنا لنجدها في كل مرة تفوز بالامتحان.
إن «الوحدة الوطنية»، كعبارة، تطل علي وأنا في غربتي، في كل صحيفة أقرؤها، بل لا أبالغ إن قلت في كل صفحة منها، لم تعد شعاراً ألفناه وأحببناه وحققناه، بل غدت سيفاً مسلطاً يصادر أي رأي وأي فكرة.. إن الوحدة الوطنية -كمفهوم- هي وحدة في القلوب لا وحدة في الأفكار.. إن الوحدة الوطنية ليست بحاجة إلى طبول تقرع، بل إلى عقول تتصارع فتبدع، إن الباحث عن الوحدة الوطنية -بغير هذا المفهوم- لا يشبه إلا الباحث عن وحدة في البصمات بين بني البشر في هذا العصر.

***
يتوجب علينا جميعاً -حكاماً ومحكومين- أن نتفق على أن هناك مجالاً مفتوحاً للتعامل مع الأفكار المطروحة التي تستهدف تغيير ما هو كائن إلى ما ينبغي أن يكون، كما ينبغي علينا جميعاً -حكاماً ومحكومين- في الوقت نفسه أن نتفق على أن هناك قواعد تمنع أياً منا أن يطلق لأفكاره العنان لتسبح في بحر غير بحر الكويت.
وليس هناك من إطار يحدد كل ذلك إلا ما جاء في دستورنا الذي تجمعت فيه أفكارنا وقلوبنا، عقولنا وأحاسيسنا، فالتمسك بالدستور ليس شعاراً نرفعه في بعض المناسبات ونطويه في مناسبات أخرى، إن الدستور بما يحتويه صالح في كل الظروف والمراحل، ان يعلن الجميع التمسك به، وما كان ذلك ليتم لأن له حروفاً رسمت بيد فنان لم يخلق غيره، ولا بيد خطاط استنزف عمره في كتابته، بل هو كذلك لأنه كان، وأصبح، وسوف يبقى «بوصلة» تحدد مسار كل الأفكار ومستقر كل النوايا.

 

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات