يمكن تعريف علم النفس السياسي ببساطة على أنه العلم الذي يدرس التفاعل بين السياسة وعلم النفس، وضمن هذا الميدان يمكن التمييز بين فريقين، أحدهما يهتم بدراسة سلوك الجماهير، مثل التصويت في الانتخابات وتأثير الرأي العام على السياسات الحكومية وما إلى ذلك، وفريق آخر يهتم بدراسة سلوك النخبة وكيف تؤثر وجهات نظر النخبة وتصوراتها في سياسات الحكومة وتأثير الشخصية في القيادة وصناعة القرارات في السياسة الخارجية، ولقد هيمنت النظرية السلوكية أو نظرية المثير ـ الاستجابة على حقل علم النفس خلال الخمسينات من القرن الماضي. وما يجب التركيز عليه هو ذلك القابل للملاحظة فحسب، أي السلوك الظاهر القابل للقياس والاختبار. ويعتبر الراحل ستانلي ملغرام عالم نفس اجتماعيا بقي مهتما بالأبعاد النفسية للقضايا السياسية بقية عمره التراجيدي القصير، على ما قام به من بحوث في مجال علم نفس الطاعة السياسية والشخصية التسلطية ودوافع العدوان ولماذا نطيع. وإن ما توصل إليه ملغرام من نتائج عن تباين نسبة الطاعة، وفقاً لمدى القرب من الضحية، يتفق مع الدروس المستخلصة من حروب العصر الحديث.
يعالج دايفيد باتريك هوتون في كتابه قضايا علم النفس السياسي، ومنها القرارات التي تتخذها الحكومات، فصناع القرار عندما يعملون في إطار جماعة يتلقون معلومات وتحليلات جديدة بشكل أسرع مما لو عملوا على انفراد، إلا أن هناك عمليات جماعية ذات تأثيرات سلبية تأخذ مجراها في النقاش الجماعي، وذلك لأن هناك أعراضاً مرضية تنبثق من النقاش الجماعي فتؤدي إلى تضييق نطاق المعلومات التي تعالجها الجماعة، كما تحدُّ من اتساع أفق الجماعة وتشجع على الامتثال أو الانسياق لها، ويعرض غراهام أليسون وفيليب زيليكوف في كتابهما، جوهر القرار، نموذجاً شهيراً لصناعة القرار.
أما عالم النفس الاجتماعي جانيس، فقدم في كتابه ضحايا التفكير الجمعي وعرّفه بأنه عملية تؤدي بالجماعة إلى الوصول إلى إجماع متسرع أو سابق لأوانه، وتغلق الباب على نفسها عن أي أفكار تأتي من الخارج، ووفقاً لجانيس يتضمن التفكير الجمعي عناصر عدة أو شروطاً مسبقة، منها عزل الجماعة نفسها عن أي نصيحة، والافتقار إلى معايير البحث الممنهج والتجانس بين الأعضاء في الخلفية أو الأيديولوجية، وتواجه الجماعة في حينه ضغوطاً شديدة، وهناك معايير لتشخيص هذه الحالة، كتوهم الحصانة، والتبرير الجمعي يجعلهم يغفلون النظر عما يصلهم من تحذيرات، والاعتقاد بالصلاح الأخلاقي أن قضيتهم صحيحة أخلاقياً، والنظرة النمطية للجماعة الخارجية ولمن يعتبرونهم أعداء، ووهم الإجماع، فيسود الافتراض أن رأي الأغلبية هو رأيهم المجمع عليه، وأخيرا حراسة فكر الجماعة، فيتولى بعض الأعضاء حماية الجماعة من وجهات النظر المخالفة.
أخيراً لنبسط الموضوع ونحن في أجواء يخيم عليها التصعيد أو الحرب، فليس مطلوباً من كل مواطن أن يحلل الوضع السياسي، كما أن إصرار جماعة العفو الشامل على توجيه كفة تؤيدهم قد تحرم جماعة المعارضة في تركيا من التعامل مع واقع الحال بعودتهم وطلب العفو الخاص، ونكتفي بالإشارة عن ذلك. وشكرا.

يعقوب عبدالعزيز الصانع
ylawfirm@

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات