تعرف القناعة في أبسط معانيها بأنها الرضا بالموجود وترك التشوف إلى المفقود، وكما قالوا قديماً: القناعة هي الاستغناء بالحلال الطيب عن الحرام الخبيث.
وقد ضرب أهل الكويت الكرام أروع الأمثلة في اتصافهم بالقناعة والرضا بالربح القليل، وتوضح هذه القصة الواقعية مثالاً ونموذجاً لصاحبها التاجر محمد العبد الله المتروك رحمه الله تعالى، وكان أحد التجار المعروفين بقناعته ورضاه بالربح القليل، كما عرف عنه التزامه التام بالأعراف والمواثيق التي أصلها تجار الكويت في كويت الماضي.
وفيها يروي الأستاذ محمد ضرغام المتروك عن جده التاجر محمد العبد الله المتروك، رحمه الله تعالى، قائلاً: «جاء أحد التجار إلى جدي التاجر محمد العبد الله المتروك وعرض عليه شراء سلعة من السلع النادرة في ذلك الوقت، وعرض عليه بيعها على أهل الكويت بضعف سعرها الأصلي، وأن ذلك سوف يُدِرُّ عليه أرباحاً كثيرة وعائداً ضخماً، فكتب إليه التاجر محمد العبد الله المتروك برسالة تسطر كلماتها بماء الذهب؛ حيث كتب له فيها: «إن كان سمعت بن متروك شاف سلعة تحصل العشرة عشرين وشراه، اعرف إني ماني خوش إنسان، وأرجو الله حسن التوفيق، علينا الاجتهاد وعلى الله التوفيق»، وبهذه الكلمات الدقيقة وتلك الرسالة الحاسمة أنهى التاجر محمد العبد الله المتروك الموقف، رافضاً هذا العرض الذي كان من الممكن أن يغري غيره من التجار، ولكنه وبكل حزم رفض أن يبيع السلعة بالضعف على مواطنيه».
ويستطرد الراوي محمد ضرغام المتروك، قائلاً: لقد ذكر لي العم النوخذة مساعد أحمد اليعقوب (أبو زياد) رحمه الله تعالى هذا الموقف لجدي محمد المتروك رحمه الله تعالى، ووضح لي السر من وراء تلك الرسالة، قائلاً: «إن جدك غضب غضباً شديداً من هذا التاجر، رافضاً عرضه، لأنه في أيامنا عيب انك تشتري بضاعة وتبيعها على أهل الكويت دبل»، (أي الضِّعف).
«تعد هذه الرسالة إحدى الوثائق المهمة التي تحتفظ بها عائلة المتروك الكريمة، والتي تعد ضمن مجموعة كبيرة من الوثائق والرسائل التاريخية الضخمة ضمن ممتلكات الأسرة، التي تسطر أحداثاً مهمة، وصفحات خالدة، وصوراً متنوّعة؛ من الحياة في مختلف مناحيها في دولة الكويت في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر الملاديين».
وهكذا عكست لنا هذه القصة هذا الخلق الطيب من التاجر محمد العبد الله المتروك رحمه الله، وكيف أنه تحلّى بالقناعة والرضا بالمكسب القليل، ورفض المكاسب الكبيرة على حساب ضرر مواطنيه، وكيف أثبت لنا من خلال هذا الموقف الطيب ما تحلّى به التاجر الكويتي في كويت الماضي من أصالة وشهامة، وهكذا تحلّى أهل الكويت الكرام بالقناعة والرضا، وقدّموا لنا تلك النماذج المشرفة التي تدل على تحليهم بالمروءة وحب الخير للغير.
رحمهم الله جميعاً رحمة واسعة، وجعل مثواهم جنات النعيم.

د.عبدالمحسن الجار الله الخرافي
ajalkharafy@gmail.com
www.ajalkharafy.com

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات