العراق.. حطب الحرب؟!
نعيم درويش - 
بينما لا تزال المنطقة تحبس أنفاسها بفعل التوتر الأميركي - الإيراني الذي وصل مستويات غير مسبوقة، تحدثت تقارير ديبلوماسية عن نشاطات إيرانية مكثفة، ذات طابع عسكري، في المنطقة، وتحديدا في العراق، الذي قد تنطق منه شرارة اندلاع حرب شاملة.
وإن كانت التصريحات الواردة من طهران تؤكد ان القيادة الايرانية لا تريد الحرب، فإن مصادر ديبلوماسية تتخوف من ان تكون حسابات إيران قد تغيرت مع انخفاض صادراتها النفطية إلى أقل من 700 ألف برميل يوميا، وهو مستوى يمكن أن يؤدي إلى تضخّم مفرط، وإلى تكثيف الاحتجاجات الداخلية، ما يمثّل تهديدا للنظام.
وعند النظر الى المنظمات العابرة للحدود، المرتبطة بإيران في المنطقة، يبدو أن أكثر المرشحين لإشعال فتيل الحرب هم حلفاؤها في العراق، حيث هناك أكثر من خمسين تنظيماً ميليشاوياً مرتبطاً بشكل أو آخر بها.
وتقول مصادر ديبلوماسية مطلعة لـ القبس إنه «بوجود هذا العدد الكبير من التنظيمات، التي يفوق عدد منتسبيها 50 ألفا في العراق، فإن خطر ارتكاب أي عمل متهور وغير منظم ضد المصالح الأميركية يبدو مرتفعا للغاية، بسبب الشحن الطائفي». وتضيف: «حتى إن أرادت طهران استبعاد خيار المواجهة العسكرية، فإن انتشار الميليشيات بطريقة فوضوية قد يقود الى عمل متهور، يُبنى على حسابات خاطئة، كما أن أي عمل مدبر من طرف ثالث قد يطلق شرارة الحرب». وتذكّر المصادر بما نشرته صحيفة الغارديان البريطانية عن أن قائد فيلق القدس الجنرال قاسم سليماني دعا الميليشيات العراقية الى الاستعداد لحرب بالوكالة مع أميركا.
وتقول المصادر «ايران لا تفكر ابدا بحرب شاملة وهي تريد استنزاف الولايات المتحدة ومن ثم الذهاب الى طاولة التفاوض متسلحة بنقاط قوة على الارض»، لكن هذه الاستراتيجية -بحسب المصادر- محفوفة بالمخاطر وقد تقرّب الشرق الأوسط من شفا بركان، فوزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو الذي زار بغداد أخيراً، حذّر مرارا من أن بلاده في حال تعرّض مصالحها للخطر من قبل طهران أو ميليشياتها فسترد على ايران.
وتستبعد المصادر ان تلجأ ايران في الوقت الحالي الى استخدام الجبهة اللبنانية، نظرا للاوضاع الدقيقة هناك، كما ان حزب الله ليس في وارد جر مؤيديه الى محرقة في حال قرر مهاجمة إسرائيل او المصالح الاميركية.

أداة فعالة
وتتصاعد المخاوف الاميركية من أن يتحول العراق إلى ساحة مواجهة، تنطلق منه إيران بعيدا عن أراضيها ضد الولايات المتحدة. وفي ظل هذه الاجواء فقد سحبت اميركا عددا كبيرا من موظفيها في العراق، وأعلنت تأهب قواتها، كما ان شركة اكسون موبيل سحبت جميع موظفيها الاجانب من العراق، وبدورها دعت البحرين رعاياها الى مغادرة هذا البلد فورا.
ونقلت قناة الحدث قبل ايام عن مصدر امني عراقي تأكيده بأن ايران زودت عددا من الميليشيات العراقية بشحنات صواريخ، لاستهداف قوات التحالف الدولي والسفارة الأميركية في بغداد والشركات النفطية الغربية العاملة في مدن الجنوب.
ويوضح فيليب سميث (خبير في الميليشيات الشيعية بمعهد واشنطن) أن «الميليشيات التي تعمل كوكيل إيراني في العراق ستكون أداة فعالة لمزيد من التصعيد وإحياء مفاهيم قديمة تصم القوات الأميركية باعتبارها قوة محتلة في البلاد».
وتنقل مجلة أتلانتك عن سميث أن «بعض الميليشيات وجهت تهديدات مفتوحة ضد القوات الأميركية في السنوات الأخيرة، وبسبب العقوبات الصارمة التي فرضتها إدارة (الرئيس الأميركي دونالد) ترامب على إيران فإن التهديدات تتخذ اتجاها جديدا، وربما أكثر خطورة».
وسبق أن توقّعت دراسة أعدّتها مجموعة الأزمات الدولية أن يتحمّل العراق العبء الأكبر في حال تصاعد التوتر بين إيران والولايات المتحدة.
ونقل التقرير عن مسؤول كبير في الأمن القومي الإيراني أن المسرح المحتمل للتصعيد هو العراق. وأن «العراق هو المكان الذي نمتلك فيه الخبرة، وإمكانية الإنكار، والقدرة اللازمة لضرب الولايات المتحدة من دون الوصول إلى العتبة التي يمكن أن تؤدي إلى رد مباشر».

الانخراط في المواجهة
السيناتور الاميركي أنغوس كينغ، عضو لجنة الاستخبارات التابعة للكونغرس، يحذر من الخطأ في الحسابات: «بدايات الحرب العالمية الثانية، لا أحد يعلم بالضبط كيف بدأت، بدأت صغيرة وزادت وتيرتها، وهذا ما يقلقني، على سبيل المثال الميليشيات الشيعية في العراق، وهي ليست تحت سيطرة كاملة من قبل الحكومة العراقية، إن كانت تحت سيطرتهم أصلا، هي موالية بصورة جزئية لإيران، ولكن هل هم تماما تحت السيطرة؟».
وأضاف: «لنقل أن مجموعة من الأشخاص في ميليشيا شيعية هاجموا أميركيين، هل هذا هجوم إيراني؟ أم أنه أمر قد يفجّر تصعيدا ضد إيران وفجأة نجد أنفسنا نصعد السلالم (التصعيد)؟ هذا ما يقلقني»
وبدا لافتا البيان الذي صدر الاربعاء عن حزب الدعوة، الذي يضم في عضويته رئيسا الوزراء السابقّين نوري المالكي وحيدر العبادي. وجاء فيه: «لن نقف محايدين بين الطاغية الأميركي والشعب العراقي.. العراق وقواته السياسية والشعبية لن تنأى بنفسها عن الانخراط بالمواجهة بين أميركا وإيران.. ومن مصلحة الولايات المتحدة سحب قواتها من الخليج ومن الشرق الأوسط فوجودها بات مؤذيا للمنطقة».
ويحاول العراق اليوم التعايش مع هذا التوتر والثبات على موقف محايد، وفق الدكتور واثق الهاشمي. ويضيف: «أمر صعب، فالعراق هو بلد الولاءات المتعددة».
وفي ظل حكومة عراقية ضعيفة، ومع وجود الأذرع العسكرية لعشرات الأحزاب والتنظيمات والمليشيات التابعة لإيران، وتهديدها الصريح لأميركا، فإن وضع هذا البلد سيكون كارثياً، وهذا الأمر على ما يبدو قد زاد من سماع الأصوات الداعية الى تحييد العراق، وكان آخرها البيان الذي صدر من مكتب الشيخ فاضل البديري في النجف، وحرّم فيه على الجهات العراقية «التدخّل في الصراع الإيراني - الأميركي»، لأنه قد «يُغرق البلاد في الفوضى والدمار».

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات