مقال أستاذنا الأخ علي البغلي بعنوان «البوسطجية اشتكوا» المنشور في القبس بتاريخ 12 مايو 2019.. أعادني إلى ذكريات أيام الصبا حينما كنت يافعاً حديث العهد بالوظيفة تلك التي التحقت بها بدائرة «الشؤون الاجتماعية والعمل»، التي أنشئت كآخر دائرة في البلاد في أواسط الخمسينيات.. رفقة مجموعة من الزملاء الكرام.. كأستاذنا المرحوم حمد الرجيب، وصنوه الأستاذ عبدالعزيز الصرعاوي رحمهما الله، وكذلك المرحوم فارس الوقيان والإخوة السفير عبدالحميد البعيجان وأحمد النقيب والمرحوم الدكتور خلدون النقيب.
كنت لا أملك من حطام دنياي سوى ما كنت أناله مرتباً شهرياً لوظيفتي، والذي لا يفي بسداد نفقات حاجياتي اليومية، ولا أحمل مسؤولية الانفاق على عائلة.. إلا انني كنت استلف على مرتبي كل شهر، وكان الذي يفك «الكرب» ويسلفنا على مرتباتنا المرحوم علي المنصور أمين صندوق دائرة الشؤون الاجتماعية والعمل آنذاك.
هذا ليس بموضوعنا، بل إن الموضوع الذي أود الحديث عنه هو تلك الرسالة التي تلقيتها من يد «البوسطجي»، الذي طلب مني التوقيع عليها بالاستلام؛ لأنها رسالة «مضمونة»، وقد أودعتها بعد استلامها حقيبة اليد ولم أخرجها إلا بعد وصولي إلى منزلي، وهناك اطلعت على ما فيها وكانت المفاجأة.. إذ إنها كانت تقول ان أحد البنوك قد أودع لحسابي، الذي في علمي لا يحتوي إلا على مئة روبية فقط، «مئة ألف روبية»، وأن البنك يطلب حضوري للتوقيع على تأكيد استلام المبلغ.
اندهشت جداً لهذا الخبر، لأن المبلغ وقتها كان مبلغاً كبيراً قد لا أحلم فيه، وليس لي علم بأن هناك مصادر تمنحني مبلغا كهذا.. في صباح اليوم التالي بعد وصولي إلى مقر عملي ذهبت مباشرة إلى المرحوم علي المنصور أمين الصندوق، الذي سألته فيما لو أن «الحكومة الموقرة» قد علمت بنبأ زواجي، لا سيما أنني سأنجب للبلاد من يذود عن حياض الوطن وعليه منحتني الدولة هذا المبلغ لأستعين به على مستلزمات الزواج.
قال لا علم لي بذلك وليس هناك اجراءات حكومية بهذا الصدد.. قلت إذاً ليس هناك إلا ما ذكرته لي المرحومة السيدة جدتي «بان لنا منزلاً أوقفه المرحوم جدنا من أمد طويل» يمكن أن دائرة الأوقاف الاسلامية قد فكت قيد هذا الوقف وأنها وزعت قيمته على الأحياء من أبناء العائلة وأن ما تلقاه حسابي في البنك، الذي هو مبلغ مئة ألف روبية ما هو إلا نصيبي في الورث!
ذهبت حالاً إلى «دائرة الأوقاف الاسلامية» لأستجلي الأمر.. نفى المسؤولون الذين التقيت بهم علمهم بأن هناك لعائلتنا وقفا وأن الدائرة حسب علم المسؤولين لم تحول أي مبلغ لحسابي في البنك، لا سيما أنها لا تتعامل مع البنوك في ذلك الوقت.
هنا لم أجد بداً من الذهاب إلى البنك، حيث التقيت بالمرحوم بدر الحداد الذي كان يعمل نائباً للمدير العام الذي أطلعني على ما لديه من معلومات طالباً مني التوقيع على استلام المبلغ كاجراء احترازي يتخذه البنك في مثل هذه الحالات الطارئة.
قلت له أنا لا أملك هذا المبلغ والمبلغ حتما لإنسان غيري قد يكون البنك بإجراءاته وقع في خطأ. قال المرحوم بدر هذه الأوامر صدرت لنا من السيد المدير العام للبنك وما علينا أنت وأنا إلا أن نقابله. دخلنا على السيد المدير العام في مكتبه وكان رجلاً بريطانياً من أيرلندا قال لي من دون اكتراث إن المبلغ جاء لحسابك وهذا ما عندنا ما نقوله لك وما عليك إلا التوقيع بالاستلام ومع السلامة لأنني مشغول.
وقعت على الاستلام وانا غير مصدق بما حصل، لأنني أعلم جيداً بأن هذا المبلغ ليس لي، وبعد مضي زمن غير طويل على ذلك اليوم حتى جاءني استدعاء من البنك نفسه يطلب مني التوقيع لإعادة المبلغ لأنه يخص ولد عمنا محمد فارس البلهان رحمه الله الذي كان يتعاطى العمل في التجارة.
هذا يا أخي علي ما لقيته من مآسي ومصائب البوسطجي وأنا اشتكي لكم كما يشتكي الآخرون.

محمد سالم البلهان *

* سفير سابق

 

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات