جون بولتون.. الفجُّ ومهندس الغزوات الأميركية
وليد قرضاب -

«أفضل طريقة لتجنب حرب مع إيران هي إقالة جون بولتون»، هكذا استهل سينا توسي الباحث بالمجلس الإيراني الأميركي مقاله بمجلة نيوزويك، قائلا انه في أسلوب المعاملة بالمثل مع إدارة الرئيس دونالد ترامب، سيضمن مستشار الأمن القومي أن يصبح التصعيد تلقائيا وقد تصبح الحرب واقعا إذا ما بقي في البيت الأبيض.
فمن هو هذا الدبلوماسي العنيد ذو الشارب الكث المميز، الذي يوصف بأنه «حاد جدا» وأسلوبه فج وعدائي؟
لا يتوانى جون بولتون في إيجاد طرق لإثارة نزاع بين واشنطن وطهران، باعتباره مؤيدا قديما لضربها عسكرياً، وشكّل تعيينه في مارس 2018 مستشارا للأمن القومي، بدلا من هربرت ماكماستر مؤشرا على نية في التصعيد وأثار مخاوف من الانعكاسات المتوقعة في تعامل واشنطن مع الملفات الساخنة، بعد ان تمكن من إقناع ترامب بالانسحاب من الاتفاق النووي.

أهم «صقور» واشنطن
يوصف بولتون بأنه من صقور الحرب لعمله طوال ثلاثة عقود في إدارات أذكت الصراع بالشرق الأوسط، فقد شارك في التزويد السري لإيران بأسلحة متطورة في ما يُعرف بقضية «إيران كونترا»، وعمل على استصدار قرارات أممية تؤيد استخدام القوة العسكرية ضد العراق. وساهم أيضا في تبنّي معلومات خاطئة بشأن محاولة العراق شراء يورانيوم من النيجر، لتبرير غزو العراق في 2003، ووُصف بأنّه من مهندسيه، وكان من داعمي الحرب الإسرائيلية على لبنان عام 2006، فهو درع للإسرائيليين، ولا يرى «الدولة الفلسطينية» مشروعا محتملا بالأساس.

جنوح إلى تغيير الأنظمة
من أهم صقور واشنطن يمينية وتطرفا، وأكثرهم جموحا، ولديه جنوح دائم لتغيير الأنظمة غير المرضي عنها أميركيا بالقوة، لا سيما في إيران وكوريا الشمالية وفنزويلا التي يرجّح أن بولتون قد صمم خطة الانقلاب الناعم الجاري فيها.
ويقول توسي إن بولتون يقلد في الواقع قواعد اللعبة للرئيس السابق جورج دبليو بوش، واستراتيجيته تجاه إيران تميزت بربطها بشكل غير دقيق بتنظيم القاعدة، وقوله إن إيران تسعى لامتلاك أسلحة نووية. وتهديده المتمثل في «القوة التي لا تلين» ضد طهران استند إلى معلومات غامضة بشأن مؤامرة إيرانية مزعومة.
عقب غزو العراق عام 2003 تبلورت صفقة بين ايران واميركا مضمونها تسليم طهران كبار رجال تنظيم «القاعدة» مقابل أن تسلم واشنطن زعماء «مجاهدي خلق»، ولكن خطة أخرى برزت وهدمت الاتفاق أشرف على تنفيذها بولتون الذي كان يرى ان التعاون مع طهران بمنزلة مقامرة حمقاء ورهان خاسر، وأن خيار «مجاهدي خلق» سيكون مفيدا للغاية للإطاحة بالنظام الإيراني.

يقدّس الحرب ولا يخوضها
يؤمن بولتون بأن أفضل وسيلة لإظهار القوة الأميركية هي ممارستها بشكل عملي وفق شعار «الغزو اولا»، وبالنسبة له الدبلوماسية مع الدول المارقة هراء. ورغم أنه يقدّس الحرب، فقد مَثّل تصرفه أثناء غزو فيتنام مفارقة ساخرة، حيث تفادى أداء الخدمة العسكرية بانضمامه للحرس الوطني في ميريلاند، مُنهياً في الوقت نفسه دراسته في جامعة «يال»، وكتب في كتاب حفل لم شمل خريجي «يال» ما حدث، قائلاً: «أعترف أنني لم أمتلك أي رغبة للموت في حقل أرز بجنوب شرق آسيا، فقد كانت حرب فيتنام خاسرة بالفعل».
مثّلت مناهضته لاتفاق كوريا الشمالية المعروف باتفاق «يونغبيون» أوضح ظهور له في تسعينيات القرن الماضي وآتت جهوده ثمارها، وتم إلغاؤه أثناء الولاية الأولى لجورج دبليو بوش، وهي اللحظة التي شكّلت طريقه لقلب دوائر الحكم.

سيرة جدلية
يمتلك بولتون سيرة مثيرة للجدل، فقد عمل على تنسيق جهود إلغاء قرار الأمم المتحدة الذي يُقرّ بأن الصهيونية شكل من أشكال العنصرية، وعداؤه للأمم المتحدة جلي، فهو يدعو إلى وقف تمويلها عقاباً لها. وأوقف مساعي أممية لتفعيل اتفاقية الحد من الأسلحة البيولوجية، بحجة تعريض الأمن الأميركي للخطر. كما لعب دوراً في انسحاب أميركا من محكمة الجنايات الدولية، حتى لا تتمكن من محاكمة الأميركيين.
كان قريبا من المحافظين الجدد، ومن «كبيرهم» السياسي اليهودي ريتشارد بيرل المعروف بـ«أمير الظلام» الذي كان يقول: «سيكون العراق هو الهدف التكتيكي، وستكون السعودية هي الهدف الاستراتيجي. أما مصر، فستكون الجائزة الكبرى».

ولادته وتعليمه
ولد جون إدوارد جاكسون بولتون في 20 نوفمبر عام 1948 في بالتيمور بولاية ماريلاند، لوالد يعمل رجل إطفاء وترعرع في بيئة شعبية، درس الحقوق بجامعة يال وتخرج عام 1974، عمل بعدها في مكاتب للمحاماة وفي معهد «أميركان إنتربرايز إنستيتيوت» أحد أهم مراكز الأبحاث ومصنع كوادر الحزب الجمهوري.
خدم في الإدارات الجمهورية للرؤساء رونالد ريغان وجورج بوش (الأب) وجورج دبليو بوش (الابن)، وتولى عام 2000 منصب مساعد وزير الشؤون الخارجية، ثم عينه الرئيس بوش الابن عام 2005 سفيرا في الأمم المتحدة، حيث تعرض لانتقادات كبيرة، وفي نهاية 2006 رفض مجلس الشيوخ التجديد له في منصبه ووصفته صحيفة واشنطن بوست بالمتعصب والمتشدد والمتوحش.
مشارك بارز في العديد من الجماعات المحافظة مثل «مشروع القرن الأميركي» و«المعهد اليهودي للأمن القومي الأميركي» و«لجنة السلام والأمن في الخليج».

«شارباه» لم يعودا مشكلة

آراء ترامب في السياسة الخارجية وفي قضايا أخرى كثيرة متغيّرة ومزاجية ونزقة، وهو لن يُظهر امتعاضه من «شاربَي» بولتون. ووفق صحيفة نيويورك تايمز، فإن ترامب كان يريد دائما أن يصبح بولتون عضوا في فريقه المسؤول عن السياسة الخارجية، لكن اعتبر أن شاربيه الكبيرين «غير مناسبين» لمسؤول رفيع المستوى. أما الآن، فيبدو ان ترامب تجاهل شكل «شاربَي» مستشاره.

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات