كوشنر اليافع.. إمبراطور عقاري
تأليف: فيكي وارد
ترجمة وإعداد: محمد أمين

المراسلة الاستقصائية في صحيفة نيويورك تايمز وصاحبة عمود في عدد من أشهر المجلات، مثل هافينغتون بوست فانيتي فير وهاي لاين. وهي مؤلفة لكتابين حققا أعلى المبيعات هما: «كرة الكاذب» و«كازينو الشيطان».



أطلق البعض على كوشنر وزوجته ايفانكا لقب «أمير وأميرة واشنطن»، ليس فقط لكونهما عريسين جميلين ومنعّمين، بل أيضاً لحظوتهما عند الرئيس دونالد ترامب وتأثيرهما في قرارات الرئيس وتدخلات عدد من الدول مثل روسيا والصين وإسرائيل وغيرها في القرار السياسي للبيت الأبيض من خلالهما. ووصف أحد أركان إدارة ترامب، جاريد كوشنر بأنه «وزير كل شيء»، لأنه يتدخل في كل صغيرة وكبيرة من شؤون الحكم، بدءاً من وضع برنامج الحملة الانتخابية لترامب وتعيين مسؤوليها، مروراً بتزكية كبار مساعدي الرئيس، والتصدي لملف عملية السلام في الشرق الأوسط، وانتهاء بعزل كبار المسؤولين الذين لا يتفقون مع توجهاته، كما حدث لوزير الخارجية السابق ريكس تيلرسون ومستشار ترامب للشؤون الاستراتيجية ستيف بانون، ومستشار حملته الانتخابية كريست كريستي وغيرهم.
تزعم مؤلفة الكتاب فيكي وارد أن لكوشنر يداً في إثارة النزاع بين عدد من الدول، على خلفية مصالح عقارية لكوشنر.
وكذلك، كانت لإيفانكا، الابنة المدللة للرئيس ترامب، بصماتها على قرارات وتوجهات الرئيس، حتى أن مصادر في البيت الأبيض قالت إن «ترامب لا يعصي لها أمراً»! وهي تعتبر نفسها الوريثة السياسية لوالدها. وكشف غاري كوهن أن «إيفانكا تعتقد أنها ستصبح رئيسة الولايات المتحدة ذات يوم». الكتاب يسلط الضوء على نشاطات أفراد عائلتَي ترامب وكوشنر وتأثيرهما في أروقة الحكم في البيت الأبيض في هذه الحقبة التاريخية المهمة، ورأت القبس ترجمة أجزاء من هذا الكتاب ونشرها.

في حياته التجارية، اعتمد شارلي كوشنر كثيرا على الاقتراض. ومع حلول التسعينات، أصبح أكبر تاجر عقارات في نيوجيرسي. لقد عاش في المنزل الذي بناه له والده، لأكثر من عشرين عاماً، إلا أنه كان يحب أن يُبدي ثراءه. فعلى العكس من أشقائه الذين عاشوا ببساطة، كان لديه سائق ووفر الدروس الخصوصية لكل أبنائه جاريد ودارا ونيكول وجوش. وكانت الأسرة تمتلك منزلاً في ضاحية البيرون على شواطئ نيو جيرسي، حيث يقيمون حفلاً سنوياً كبيراً كل صيف. وكان يُنظر الى الابن الأكبر جاريد، انه صبي محبب ومهذّب لكنه ليس شديد الذكاء وليس غبياً. وكانت نيكول الأكثر كداً، ودارا الأكثر تديناً. ومع ذلك، كان جاريد هو الابن المفضل لشارلي. وكانت لدى شارلي طموحات واسعة لا يعرفها أبناء عائلة كوشنر الكبيرة، ليس فقط على صعيد الثراء، بل على صعيد السلطة والتمكين. فقد نقل عنه أحد شركائه التجاريين قوله ذات يوم «أريد أن أصبح أقوى يهودي في أميركا».
وفي سياق هذا الطموح، يبدو أن دخول شارلي معترك العمل السياسي كان أمراً حتمياً. وقال أحد أقاربه «اننا اعتقدنا في وقت ما، انه يريد أن يترشح لمجلس الشيوخ، لكنه كان يكتفي بتقديم التبرعات للديموقراطيين مثل السيناتور عن نيو جيرسي، روبرت تورسيلي والسيناتور عن نيويورك شاك شومر ثم السيناتور هيلاري كلينتون.
ما ان أصبح جاريد يافعاً، حتى بنى له والده امبراطورية عقارية تتألف من آلاف مما عُرف بـ «الشقق الحدائقية»، خاصة في نيوجيرسي، وهو المشروع الذي درَ عليه أموالا طائلة جعلت شارلي كوشنر مطمحا لكل السياسيين في الولاية. وهكذا أصبح وسيط سلطة قويا.

عُقدة الخلاص
يقول أحد أفراد عائلة كوشنر ان «شارلي كان يعاني عقدة الخلاص، فوالده هو الذي خلصنا من بولندا وشارلي هو الذي سيسلمُنا الى مانهاتن. وسيُخرجنا من نيوجيرسي. ويُدخلنا في قائمة فوربس لأغنى 500 شخص حول العالم، ولكي يفعل ذلك، لا بد من شراء حاكم الولاية جيم ماك غريفي، الذي فاز في الانتخابات بفضل دعم شارلي ومقربيه». وهكذا أصبح شارلي مستبداً لدرجة ان ذلك صار مثل حبل المشنقة لأقاربه وأصدقائه وموظفيه وحتى لزملائه في الكنيس، حتى أن البعض أطلق عليه لقب «العراب» للطريقة التي يدير بها أعماله وحياته الخاصة. فالتجارة بالنسبة له هي الحياة والحياة هي التجارة.
وكان شارلي ينظر الى اعماله باعتبارها «خدمة عامة»، لكن شهوته للشهرة كان لها ثمن باهظ. فقد كان يدعو سياسيين للتحدث في مناسبات مختلفة مقابل أتعاب مالية كبيرة. فمثلاً دعا رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتانياهو لإلقاء كلمة ذات يوم مقابل مئة ألف دولار. وقد استضافه أربع مرات لمناسبات مختلفة. وبدلاً من الدفع من جيبه الخاص، كان شارلي يدفع للسياسيين من ميزانية شركاته التي له فيها شركاء، ومن دون أخذ موافقتهم، ومن دون علمهم! وإذا كان ينقص عليه المال في مشروع ما، كان يموله من الحساب البنكي لمشروع آخر. وكانت عبارة «الفاتورة مفقودة» تعني البحث عن وسيلة لتحميل النفقات من مشروع الى آخر.
وكذلك كانت المصاريف الشخصية مثل ترميم منزل او رحلة سياحية وحتى ثمن الكحول التي يشتريها لاحتفالات نهاية الأسبوع، «تضيع» ويتم تحميلها الى نفقات احدى الشركات. وحتى تبرع شارلي لجامعة هارفارد، الذي سهَل دخول جاريد الجامعة، فتم تحميله إلى احدى شركاته، وكان يوكل التوقيع على مثل هذه «التبرعات» لشخص آخر، فهو لا يوقع على شيء أبداً. وبالرغم من مكتبه الفخم والواسع، فإنه لا يوجد عليه قلمٌ واحد ولا ورقة ولا جهاز كمبيوتر.

دكتاتور
والأخطر من كل ذلك للصحة الظاهرية لميزانية الشركة، كان ما أطلق عليه «ريتشارد خاص»، نسبة الى ريتشارد شتادمور، شقيق زوجة شارلي ونائب رئيس مجلس إدارة شركات كوشنر، وهو الأمر الذي يرقى لدرجة الاحتيال. وإذا أراد شارلي شراء شركة او إعادة تمويل تتطلب خط ائتمان، كان شتادمور يطلب من أحد مرؤوسيه تغيير الأرقام لخداع البنوك. ونتيجة لذلك، يُفتح لشركته خط ائتمان وتخفيضات ضريبية لا تستحقها.
وكان معظم كبار المسؤولين في شركات كوشنر لا يعرفون ما الذي كان يحدث. ووفقاً لوثائق من المحاكم في حقبة التسعينات، بدأ بعض مديري العقار في شركات كوشنر يستخدمون رموزاً للإشارة الى النفقات التي تم التلاعب بها لكي يعرفوا كيف تتم ادارتها. ولم يكن شتادمور مرتاحاً حين اكتشف ذلك، وأمرهم بالتوقف عن هذه الممارسة.
وكان المبدأ الذي يسير عليه كل من كوشنر وشتادمور أن لا يتركا أي أثر ورقي أو سجلات لما يفعلانه. وقد اكتشف ليفكوفيتس وغيره، ان طريقة العمل هذه ليست مقبولة، وفقاً لأحد موظفي الشركة السابقين، الذي قال ان «كوشنر أدار المكان مثل دكتاتور».
وعلى الرغم من وجهات نظره السياسية الليبرالية المعروف بها، كان من الواضح ان كوشنر لا يؤمن بالتعددية. فكل موظفيه في الشركة كانوا يهوداً، باستثناء بعض طاقم الإدارة الذين كانوا من النساء الجميلات من البيض اللواتي تم تعيينهن – وفقاً لبعض المديرين – لجمالهن. وقال مدير آخر ان الشركة كان فيها امرأة سوداء واحدة عام 2000، وكانت تعمل سكرتيرة.

أدوات نازية
لقد تحول شارلي الى مدير متوحش مع مرور الوقت. وأصبح يُطلق على اجتماع أيام الثلاثاء «ثلاثاء الجلد». فلم يكن يُسمح لأحد بالذهاب الى دورة المياه مع أن الاجتماع قد يستمر لثلاث ساعات. وكان شارلي يغضب لأبسط الأمور. فمثلاً، استشاط غضبا حين علم ان موظفا يستخدم قلما من صنع ألمانيا واتهمه بـ «جلب أدوات نازية الى منزلي».
وكان شتادمور يتعرض للإهانات أكثر من أي شخص آخر. ففي أحد اجتماعات الثلاثاء، اتهمه شارلي بمعاداة السامية لأنه امتلك سيارة لينكولن كونتننتال (ذلك لأنه كان معروفاً عن هنري فورد، صاحب شركة فورد أنه كان معادٍ للسامية). ويقول أحد موظفي الشركة السابقين ان «شارلي كان يمتلك ريتشارد شتادمور امتلاكاً، فكل ما حققه ريتشارد من مركز ومال يعود الفضل فيه لشارلي، ولذلك كان يمكن أن يفعل به ما يشاء ولا يرد». فقد أصبح ريتشارد يمتلك عشرات الملايين من الدولارات مع حلول عام 2000.
كان شتادمور ينفّس عن غضبه على الموظفين الأقل درجة منه. وقال أكثر من مصدر ان مزاجه أسوأ حتى من شارلي. يقول الان هامر ان «ريتشارد كان طفلاً أُسيئت تربيته، فأساء تربية أبنائه».
وشبه بريان بنتزالين الرئيس التنفيذي الأسبق لشركات كوشنر، الرجلين بالطغاة وقال في شهادة له أمام المحكمة «عليك أن تلتزم بتنفيذ ما يُطلب منك حرفياً. وكان شارلي وريتشارد يوجهان الإهانات لأي شخص في الاجتماعات، باستمرار وبشكل روتيني».

كنيدي اليهودي
في مثل هذه البيئة تعلَم جاريد كوشنر قيم العمل في الشركة التي سيديرها مستقبلاً. كان جاريد المتدرب المحمي رقم واحد في الشركة. كان يذهب الى الشركة في عطلة الصيف لكنه لا يفعل شيئا غير الاستماع للموسيقى. لكن شارلي كان ينظر لنفسه على أنه جوزيف كنيدي اليهودي وجاريد هو جون كنيدي. وكان شارلي يصطحبه في لقاءاته مع السياسيين، ومنهم نتانياهو حين استضافه في منزله. وقد نام نتانياهو في غرفته، بينما جاريد تلك الليلة في السرداب. وكان شارلي يُعلق آمالاً كبيرة على جاريد وبأنه سيحقق نجاحاً كبيراً.
وخلال فترة تقديم جاريد أوراقه للجامعة، قدم شارلي تبرعاً بقيمة 2.5 مليون دولار لجامعة هارفارد. وقدم تعهدات بتقديم مساعدات لجامعتي برينستون وكورنيل. وقد طلب شارلي من السيناتور فرانك لوتنبيرغ الذي كان من أكبر متبرعي حملاته الانتخابية، أن يتصل بالسيناتور تيد كنيدي ليتوسط لجاريد عند عميد القبول في جامعة هارفارد. وعندما تم قبول جاريد في جامعة هارفارد، تفاجأ مدرسوه في الثانوي. وقال أحد زملائه أنهم كانوا بين عدم التصديق والشعور بالاشمئزاز. إحدى زميلات جاريد التي كانت من الأوائل، لكن لم تُقبل من هارفارد، بكت حين علمت بذلك. فلم يسبق ان قبلت الجامعة طالباً من المستوى الثالث. ومجموعه لا يؤهله لدخول الجامعة، كما قال أحد مسؤولي المدرسة للمؤلف دانيال غولدن.
في حين كان شارلي شديد الاهتمام بتعليم جاريد، كان قليل الاهتمام بالنتائج الأكاديمية لبناته. ووصف أحد أفراد العائلة موقفه هذا بأنه «مأساوي»، لا سيما نيكول التي كانت متفوقة في المدرسة. وقال مصدر آخر ان «أحداً لم يبلغها أنها مهما فعلت فلن ينفعها ذلك في شيء». وفي سنواته الأولى، حظي جوش باهتمام أقل حتى من نيكول. وهو ما اعتبره البعض نعمة من الله، «حيث خرج من نطاق تركيز والده»، على حد تعبير أحد الأقارب.

عميد العائلة
ومثل هذا التركيز قد يكون مثل الطوق. فحين دخل جاريد الجامعة، شعر والداه بالانزعاج لابتعاده عنهم. وقال أحد أصدقاء العائلة «انهما كانا قلقيْن من احتمال ان يتعاطى المخدرات، أو أن يقيم علاقة مع فتاة غير يهودية». وكانا كثيرا ما يطلبان من كيفن سويل، مدير شركة «ويسمنستر كابيتال اسوشييتس»، الذراع التمويلية لشركات كوشنر، أن يزور جاريد في الجامعة ويصطحبه لوجبات العشاء ويبلغهما أخباره. بل ان شارلي اشترى بناية سكنية قرب هارفارد ليديرها جاريد. وفي النهاية، تبين ان ميل شينرمان، أحد أقارب كوشنر هو الذي كان يديرها ويعمل مثل المربي لجاريد. ولحسن حظ شينرمان، قرر جاريد قضاء كل نهاية أسبوع مع والديه.
وبينما كان شارلي منشغلا بادخار المال لأبنائه، كان موريه يخشى ان يكون شارلي يخدعه. في عام 1999، انسحب موريه من صفقة لشراء عقار بيركشاير الذي يضم 24 ألف شقة، فشعر شارلي بالاستياء، وتصاعدت التوترات في صيف عام 2000 حين التقى افراد العائلة بمناسبة عيد الباسوفر اليهودي في أحد فنادق ميامي بولاية فلوريدا. قال شارلي لشقيقه انه هو من ادخل أبناء اشقائه وشقيقاته الى جامعة بنسلفانيا، وأنه أصبح عميد العائلة وأن موريه أصبح عبئاً عليه وعلى الشركة. وأشار الى انه يعتقد انهما لا ينبغي أن يعملا معاً، فجاءت ردة فعل موريه قوية: «إذا لم نستطع أن نكون شركاء، فلا يمكننا أن نكون أشقاء». هذا الرد أثار سخط شارلي واعتبره نكراناً للجميل.
وكان موريه مستاء لدرجة رفض الذهاب الى احتفال عيد الباسوفر للعام التالي، وتوقف عن زيارة مكاتب الشركة في فلورهام بارك.
بيلي وايستر حضرا احتفال العائلة بعيد الباسوفر في عام 2001، على الرغم من قرار شارلي انهاء خدمات بيلي وانتقاداته لهما. وعندما ثار غضبه على «الأقارب الذين لا يستحقون الوقوف الى جانبهم»، طلبت منه ان يهدأ من أجل ابنها الذي يعاني من السرطان، ولكنه زاد انفعالاً وسخر من مرض ابنها، الأمر الذي جعل الأمور تخرج عن نطاق السيطرة.
في عام 2001، رفع موريه دعوى قضائية ضد شارلي، طالباً مراجعة سجلات الشركة. وساعدته من خلف الكواليس، ايستر التي كانت على صداقة مع بوب يونتيف، مدير المحاسبة الذي انضم الى شركات كوشنر عام 1999، وكان يعمل تحت رئاسة زيكر والرئيس التنفيذي بريان بنتزالين. يونتيف ابلغ ايستر انه اطلع على الكثير مما اثار شكوكه في المكتب. عرفته ايستر على موريه ووافق يونتيف على تزويده بوثائق تثبت وجود مخالفات. وقد أكد موريه انه لا يريد حرباً مع أخيه، بل يريد حقوقه.
وربما كانت هذه الحرب شأناً خاصاً لولا تزامنها مع حدوث عدد من التطورات. اولاً، انتخاب جيم ماك غريفي حاكماً لولاية نيو جيرسي في نوفمبر 2001. اشيع آنذاك ان ماك غريفي كان فاسداً، وأنه كان في جيب شارلي الذي كان الممول الأكبر لحملاته الانتخابية، حيث أسهم بمبلغ 1.5 مليون دولار لحملته الأخيرة. سافر الرجلان الى إسرائيل عام 2002، وقابل ماك غريفي خلال الزيارة سياسي إسرائيلي شاب يدعى غولان سيبل، وسرعان ما ارتبطا بعلاقة عاطفية سرية. وكفل شارلي تأشيرة دخول سيبل الى الولايات المتحدة، بل واستضافه في إحدى الشقق التي يمتلكها في مدينة نيويورك. وكثيرا ما تردد «الزوجان» على شواطئ نيو جيرسي وأقاما في البيت الساحلي الذي يمتلكه شارلي. وحالما تم انتخاب ماك غريفي حاكما لولاية نيوجيرسي، عيَن سيبل مستشاراً للشؤون الداخلية. ولكن لم يمض وقت طويل حتى بدأ الهمس على علاقتهما.
(يتبع)

 

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات