قلت:
من سَعَىٰ لفراق خِلْ دَوَّر الــزَّلة
ومن بَغَىٰ الوفـا بقىٰ العمر كله

في حياة الناس الكثير من الأفراح والأتراح، وربما يتصوّر الإنسان نفسه وإلحاحه في حبها ليتذكر الجوانب المبهجة في حياته، والكف أو التغافل عن تذكر الجوانب المحزنة. يسوقه هذا النظر للحياة نظرة يحوطها التفاؤل لكل قادم جديد، فينعم به على نفسه أولاً، وعلى ممن حوله من البشر ثانياً.
تذكُّر المفرح يجعل الحياة أكثر جمالاً وبهجة في النفوس، ونشر هذا المفرح بين الناس يخلق روعة الإحساس بأن في الكون ما يدفعنا معاً إلى خلق الجمال في كل بقعة أنسية، كما يشعرنا بأننا نعيش معاً في ألفة ومحبة، وأن لا غنى لبعضنا عن بعض في خلق السرور ومباهجه.
لفت النظر إلى الإيجابيات في البلد الواحد، والمنطقة، والحارة، وغير ذلك يسعد قلوب الباحثين عن الفرح والعاملين وفق المؤمل والمتاح. فلا يحدث الكمال لأحد، فالكمال يصنعه الخالق، ويسبغه كمتاح للعامل الجاد، لكن الأمور قد تجري وفق معايير البشر خلاف ذلك، وذلك لتقصير في سعي، أو فساد في ذمة، أو ظرف صارف لتحصيلها، وإن من الواجب التكيف مع الظروف كيفما كانت.
إسعاد الناس ليس فقط في الماديات والمعايش، بل إشعارهم بأن في الكون من يفرح لفرحهم، فالبسمة في وجوههم تشعرهم بالقرب والألفة، وفي السلام إشعار لهم بالطمأنينة والوئام، وبذل المعروف ـــ وإن قل ـــ إشعار للغير بأن في الكون من يهتم بهم، وأن عليهم أن يسعوا لتحصيل الفائت وبذله لغيرهم ممن هم في أمسّ الحاجة إليه.
وإسعاد الناس أيضاً بالسؤال عن أحوالهم وتلمّس حاجاتهم، والسعي معهم لبلوغها وتحصيلها، فكم من مهموم كان جلاء همه السؤال عما يتعسه ويشقيه رغم تصوّره لصعوبة إخراجه من سوء حاله! وكم من إنسان تمنى أن يشاطره من حوله في فرحه وسعادته؛ فاكتمال سعادته وبلوغ ذروتها أن تشاع وتذاع بين من يألفهم من الناس، أقربهم وأبعدهم!
إن السعادة تتنوّع وتتلوّن بأصناف الناس وتنوّع اهتماماتهم، لذا جلبها يتطلب فكراً متوافقاً مع فكرهم، أو قريباً من اهتمامهم، حتى لو كان ذلك على سبيل المجاملة أو الملاطفة. والسعادة القلبية إذا ما قُرنت بالمحبة والشوق أضحت سعادة قلبية خاصة، ففيها حب القرب والشوق والاشتياق، وفيها حب التملك قرباً من دون الغير، فيها الحب القلبي الذي لا زوال فيه، وتعلّق القلب بها هنا أجمل وأقرب وأطيب، لأنه تعلّق اشتياق دائم، تذرف فيه العبرات، حتى تأخذ اللب كله. إنها سعادة لا صارف لها سوى المزيد من الاهتمام وبذل الجزيل من صنوف القرب، والشوق الذائع الصب، يقلبه كيفما شاء من دون طاقة في البعد والفراق.

د. سعود محمد العصفور
dr.al.asfour@hotmail.co.uk

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات