التاجر الأسوة (122)

الورقية - كتاب وآراءكتاب وآراءمقالات

التاجر عبدالله خالد الدليجان مثال للقناعة والرضا

ضرب أهل الكويت الكرام أروع الأمثلة في اتّصافهم بالقناعة والرضا بالربح القليل، ويوضح هذا الموقف الحقيقي مثالاً ونموذجاً طيباً للتاجر عبدالله خالد الدليجان، رحمه الله تعالى، وكان من التجار المعروفين بقناعته ورضاه بالرزق القليل.
حيث يروي التاجر عبدالله خالد الدليجان بنفسه في كتاب ذكرياته فيقول: «غاب عني أحد الأصدقاء مدة من الزمن، وكان كل ما يملكه حينئذٍ مبلغ ستين ألف دينار، فلما جاءني بعد ذلك الغياب وجدته منفوخ الصدر قد جلس واضعاً رجله اليمنى فوق رجله اليسرى؛ فقلت له: هاه وصلت للمليون؟ فرد عليَّ متعالياً ومازحاً، وقال: كفوك (أي إنه أصبح من أصحاب الملايين بعد مدة قصيرة)، وكنت أعرف طريقة غناه ولكني غير مقتنع بها، لأنه شاطر قد استغل ثغرة في القانون آنذاك، وهي أن من يملك ستين ألف دينار اشترى بها أسهماً ثم باعها بمئة وعشرين ألف دينار بعد مرور سنة، وبالفعل أخذ الصديق الشيك المتحصل من تعامله هذا وصرفه من البنك بعد خصم 14 في المئة فوائد البنك، وعمل الطريقة نفسها خلال سنتين تقريباً، وكنت أقول له: «يا ماشي بدرب الزلق لا تأمن الطيحة» (أي السقطة)، وكان يقول لي: خل عقلك ينفعك».
ويستأنف التاجر عبدالله خالد الدليجان حديثه قائلاً: «وقبل خراب بيوت الناس فتّحت الحكومة أعينها على المصيبة وأوقفت البنوك عن «تكييش» الشيكات، فكانت هذه هي القشة التي قصمت ظهر البعير، وقبل المصيبة بأيام قليلة مررت بطريقي على صاحبي، ودعاني إلى شرب استكانة شاي فأعدت عليه تحذيري بأن يحذر درب الزلق، فأعاد عليَّ كلامه «خلي عقلك ينفعك»، فقلت له: يا أخي، كم وصل رأسمالك؟ فقال مفتخراً: سبعة وعشرون مليون دينار. فقلت له ناصحاً: إذن، احتفظ بنصف الفلوس وغامر بالنصف الآخر. فقال لي: اشرب شايك وتسهّل، ولم يقتنع بنصيحتي، ولم يكتف صديقي بذلك، بل تسلف سبعة وعشرين مليون دينار أخرى فأصبح لديه أربعة وخمسون مليون دينار، أودعها جميعاً بيد فارس من فرسان المناخ (سوق الأسهم) على أن تسلم منه بعد سنة واحدة مئتين وستة عشر مليون دينار، هذا بعد تحذيري له بأن يحتفظ بنصف ماله ويغامر بالنصف الباقي، حيث لا يأمن أحد انهيار سوق الأسهم في أي لحظة، المهم أن صاحبي جاءني حزيناً بعد أيام ويقول لي: أنا غلطان لم آخذ بنصيحتك، وقد أخبرت أهلي أن عبدالله الدليجان قد نصحني، ولم آخذ بنصيحته».
لقد كان الجميع يعلمون أني لم أتعامل في سوق الأسهم أيام المناخ، وأني أطلقت عليه «سوق المجانين»، فكنت أحمد ربي كثيراً على هذا العقل الذي وهبني إياه ربي سبحانه وتعالى، وهذا ما جعلني أؤمن بأن أغلى ما يهب الله للبشر هو نعمة العقل.

د. عبد المحسن الجارالله الخرافي
ajalkharafy@gmail.com
www.ajalkharafy.com

الوسوم


قراء القبس يتصفحون الآن

الصندوق الأسود

مقالات ذات صلة

إغلاق