ظهر الداعية عائض القرني على التلفزيون ليعتذر عن المواقف التي اتخذها، والآراء التي أدلى بها، والفتاوى التي صدرت منه، خلال فترة نشاطه ضمن تيار الصحوة.
بدأت الصحوة في الثمانينات، بعد أحداث جهيمان، وقيل في حينه إنها لدعوة الناس للاستيقاظ من غفوتهم، ولكن تشددها تسبب في وقوع مآس وخسائر بشرية ومادية واجتماعية هائلة، غير ما نتج عنها من حروب وخلافات بين الدول والمجتمعات وحتى الأشقاء، وكان القرني وناصر العمر وسلمان العودة، قبل أن ينضم إليهم تالياً المغامسي والعريفي والعشرات، من أبرز دعاتها، وحققوا من ورائها نجاحاً شعبياً ومادياً كبيراً.
انتهت الحركة أو تلاشت بعد ضياع مستقبل الكثيرين، وبعد أن صنفت دول عدة كأكبر رعاة الإرهاب، ولا يفيدنا هنا ابتغاء اعتذار ممن ساهموا في إشعال الحرائق وتخريب النفوس والعقول وتفريغ الجيوب، فما هؤلاء إلا أدوات بيد من سيرهم، وهم إن انقلبوا على أفكار الصحوة اليوم، فسيتبنون غيرها غداً، فالجماهير التي تتبعهم هي كالأنعام. فمن كان بالأمس كافراً وصهيونياً ونصرانياً أصبح اليوم ولياً حميماً.
إن شعوباً بأكملها بحاجة لأن تصحو من غفوة طالت، وفي الحق غيبوبة. وقد كان لي شرف مواجهة هذا التيار وتعرية قادته بغير هوادة منذ اليوم الأول، وسببت لي معارضتي مشاكل كثيرة واجهتها غالباً منفرداً، يوم كان التيار في أوج انتشاره وسيطرته، واتهمنا بأخلاقنا وشرفنا. ولم تكن مواقف الأحرار الآخرين بأقل مني إن لم تكن أكثر قوة وأهمية.
نعود ونقول إنه ليست هناك قيمة لأي من اعترافات هؤلاء الدعاة، فكما انقلبوا اليوم على سابق مواقفهم، فسيعودون للانقلاب على الحاضر منها، فقدرتهم على التملص لا تجارى.
لقد دفعت دول الخليج، وأخرى كثيرة كباكستان والعراق وسوريا ومصر وليبيا وأفغانستان، وأندونيسيا وبنغلادش وعشرات المجتمعات الأخرى، ثمناً لا يمكن تصور حجمه، واعتذار هؤلاء اليوم لن يعيد شيئاً لسابق وضعه، فقد تخلفنا جميعاً... وقضي الأمر.
ما يهم الآن هو الاستفادة من دروس التاريخ، والتعلم من تلك التجربة لكي لا تتكرر ثانية، فأسباب نشوء أو عودة ما سمي بالصحوة لا تزال باقية، ولا يتطلب الأمر غير خروج بغدادي هنا وبن لادن هناك، ودعم بشير هنا، ومساندة نذير هناك، ليعود الإرهاب لسابق عهده. وهذه الدروس لا يمكن تعلمها بغير تغيير جذري وحقيقي للمناهج، تصاحب ذلك حملة إعلامية منبرية مسجدية حقيقية تقتلع جذور الفكر المتطرف من عقول وقلوب ملايين الشبيبة التي تلوثت عبر سنوات من الزخم الدعوي الذي لم يترك لديهم مجالاً للتفكير الرشيد.
وفي السياق نفسه، أجرى الإعلامي أحمد الفضلي مقابلة قبل فترة مع عضو الإخوان طارق سويدان أنكر الأخير، بشكل حاسم لا لبس ولا تردد فيه، حدوث أي اتصال بينهم وبين صدام أثناء احتلال الكويت، وأنه لم يعرض عليهم حكمها! وفي مقابلة أخرى أجريت مع عضو الإخوان الآخر مبارك الدويلة رد على السؤال نفسه بشكل حاسم لا لبس ولا تردد فيه بأنه كانت لديهم اتصالات مع صدام وأنه عرض عليهم الحكم!
فمن نصدق؟

أحمد الصراف

habibi.enta1@gmail.com
www.kalamanas.com

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات