«البوسطجية» جمع «بوسطجي» ــــ أي رجل البريد Postman ــــ وأظن أنها كلمة تركية، وقد تعرّفنا عليها من أغنية شهيرة للمطربة ليلى مراد في الخمسينات من القرن الماضي، يقول المقطع الأول من الأغنية: «البوسطجية اشتكوا من كتر مراسيلي».. ولكن شكوى البوسطجية موضوع المقال لا يمت بصلة الى شكوى البوسطجية من كتر مراسيل المرحومة ليلى مراد!
والبريد الذي يعمل به البوسطجية أيام زمان كان بمثل همزة الوصل بين البشر في أي دولة والبشر خارج تلك الدولة، سواء كانوا أبناء أو آباء أو أصدقاء أو رجال أعمال تربطهم الأعمال التجارية والصفقات..
ولي شخصياً ذكريات قديمة وجميلة من البريد.. أتذكر منها أيام دكان والدي «في سوق الزل والبشوت» بجانب أسواق السلاح والمباركية والغربللي.. وكان والدي يرسلني شخصياً ويومياً مع مفتاح صندوق البريد لكي أجلب له الرسائل التي تصل اليه عن طريق بريد الصفاة.. وكنت أذهب يومياً تقريباً لبريد الصفاة، الذي كانت بجانبه في ذلك الوقت وزارة الدفاع.. وبعد جلب بريد والدي ــــ إن وجد ــــ كنت أقف على الرصيف العام أمام باب الخروج من بريد الصفاة، طالباً من حاملي الرسائل اعطائي طوابع البريد الملصقة على رسائلهم، لاني كنت من هواة جمع الطوابع، وهي هواية كانت سائدة في ذلك الوقت عند كثير من أطفال وشباب ذلك الوقت..
سافرت بعد الثانوية الى فرنسا لإكمال دراستي الجامعية في احدى كليات الحقوق، وتنقلت في كثير من مدن فرنسا كباريس وبيزنصون وديجون واكسن بروفانس ومونبليه ثم أخيراً نيس.. ولم أفقد الصلة يوما ما أو اسبوعا مع أهلي وأصدقائي في الكويت وفرنسا، فقد كنت أتبادل معهم الرسائل التي أرسلها وتصل اليّ بانتظام.. بل كان هناك نظام بريدي ممتاز في فرنسا يوصل الرسالة في يوم واحد مع زيادة في قيمة الطوابع.. وكنا نستخدم الهواتف ان وجدت بقالة، لان المكالمة يجب أن تجرى من مكتب البريد الذي يجب أن تنتظر فيه مدة من الزمن حتى يأتي دورك في المكالمة وترشدك الموظفة الى «كابينة» الاتصال، ثم تدفع قيمة الاتصال بعد الانتهاء من المكالمة، والتي كانت مكلفة نسبياً، ولذلك لم نكن نستخدمها الا للضرورة القصوى وهكذا..
* * *
استدعت ذاكرتي كل ذلك التاريخ الطويل لي مع البريد ورسائله التي أصبحت نادرة، ولا تصل الينا إلا عن طريق شركات البريد الممتاز الخاصة التي أكلت الجو على البريد العادي.. ولكن الذي أكل الجو فعلياً على البريد حالياً هو الهواتف المتنقلة المتطورة حالياً، وهي لعنة أصابت الكبير قبل الصغير.. في الاتصالات وإرسال الرسائل النصية والصوتية والصور الفوتوغرافية.. بحيث غدت لا تفارق أيادي وأعين الكثير منا.. خصوصاً الشباب والأطفال، وهي لعنة هذا القرن المتطورة، والتي ستتطور أكثر وأكثر..
يهزّني ويحزنني ما آلت اليه الأمور في بلدي بأمور كثيرة، ومؤخراً مرفق البريد ورسائله التي كدنا ننساها.. عندما سمعت عن اضراب عمال توزيع البريد أو العاملين بمرافقه لعدة ايام، من دون أن ينتبّه الى ذلك أحد، والسبب على ما يبدو معاملة أغلب أصحاب الشركات التي يتبعونها؛ فالحكومة الرشيدة التي تشرف على كل شاردة وواردة في حياتنا، قررت خصخصة مرفق البريد ليُدار من قبل تجار، الكثير منهم عديمو الشعور بمعاناة الآخرين.. وسبب اضراب المستضعفين في الارض عمال بريدنا المنقرض.. هو كما قالت احدى الصحف عدم تسلّمهم مرتباتهم ومخصصاتهم المالية الهزيلة التي لا تزيد على 80 دينارا شهرياً..
لذلك، أتوجّه الى وزارة المواصلات التي تخلت عن معظم مهامها، وذلك عند انشاء هيئة الاتصالات التي لم نسمع عن انجازاتها او قيامها بمهامها أي نشاط منذ ذلك الانشاء.. أقول لهم خافوا الله يا «مواصلات» في عباد الله، خصوصاً نحن في شهر الصوم والعبادة، الذي نفتخر فيه بوصول مساعداتنا الانسانية الى المحتاجين في أركان الأرض الأربعة.. فمن المخجل أن يجوع ويحتاج ضعاف الخلق ممن رماهم حظهم البائس تحت أيدي من لا يرحم، ولا يهتم بغير ملء جيوبه بالأموال عن طريق الحرام أو الحلال.. صارخاً فيهم أجيبوا شكوى «البوسطجي» المظلوم.. لان الظلم ظلمات يوم القيامة، وقد يوقعكم الخالق في مَن لا يرحمكم ليذيقكم ما تذيقون مخلوقاته من أذى وعذاب..
ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

علي أحمد البغلي
Ali-albaghli@hotmail.com

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات